دمار تسببت به الإشتباكات المسلحة بين قوات جماعة أنصار الله (ألحوثيين) و قوات الرئيس السابق صالح، شارع الجزائر، صنعاء. تصوير: معد الزكري، التقطت في ديسمبر/كانون الأول 2017.

 

في صباح يوم الأربعاء، 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، بلغ التوتر بين جماعة أنصار الله “الحوثيين” وقوات الرئيس السابق صالح ذروته. واندلعت اشتباكات مسلحة بين الطرفين المتحالفين منذ ثلاث سنوات، بدأت في محيط جامع الصالح، كما نشبت اشتباكات مماثلة بالقرب من منازل أقارب صالح، تحديداً في الحي السياسي بالعاصمة صنعاء: (شارع بغداد، شارع عمّان، شارع الجزائر، شارع صخر)، وفي منطقة حدة: (تقاطع شارع إيران مع شارع صفر). بعد يومين من الاشتباكات المستمرة، شهد نهار الجمعة 1 ديسمبر/ كانون الأول 2017، هدوءً نسبياً، لكن الاشتباكات تجددت مساء اليوم ذاته، وازدادت شدتها خلال اليومين التاليين، ولم تتوقف إلا بإعلان أنصار الله (الحوثيين) عن مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح ظهر الاثنين 4 ديسمبر/ كانون الأول 2017.

خلال شهري ديسمبر/ كانون الأول 2017، ويناير/ كانون الثاني 2018، أجرت مواطنة لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 40 مقابلة مع ضحايا وأسر ضحايا وشهود عيان وعاملين في المجال الطبي، لأخذ شهاداتهم عن وقائع انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة النزاع المسلح بين 29 نوفمبر/ تشرين الثاني و4 ديسمبر/ كانون الأول 2017. وقد وثّقت “مواطنة” مقتل ما لا يقل عن 11 مدنياً، بينهم ثلاثة أطفال، وجرح 23 آخرين بينهم تسعة أطفال.

كما وثّقت “مواطنة” تعرُّض مستشفى عبدالقادر المتوكل في شارع بغداد لأعيرة نارية جرّاء الاشتباكات، وتعرض من فيه من المرضى ومرافقيهم والعاملين في المستشفى، للحصار لقرابة يوم كامل.

وفي بيان لمنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جيمي ماكغولدريك في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2017، دعا فيه طرفي النزاع إلى هدنة إنسانية “لتمكين المدنيين من مغادرة منازلهم والبحث عن المساعدة والحماية”. وجاء في البيان: “تحولت شوارع العاصمة صنعاء إلى ساحات حرب، وحوصر السكان في منازلهم، وأصبحوا غير قادرين على الانتقال للبحث عن الأمان، ولتلقي العناية الطبية، والحصول على المواد الأساسية، مثل الغذاء والوقود والمياه الآمنة. ولا تستطيع سيارات الإسعاف والفرق الطبية الوصول إلى المصابين، بسبب استمرار الاشتباكات”.[1]

صدام “اسم مستعار” (29 سنة)، وهو أحد السكان في شارع بغداد، قال لـ”مواطنة”: “عند الساعة 8:30 مساء يوم السبت، كانت الاشتباكات على أشدها بأسلحة متنوعة بما في ذلك القذائف. بعد أن فتحت باب غرفتي في الدور الثالث بحوالي دقيقة واحدة، دوّى صوت انفجار، ورأيت الدخان يتصاعد من حوش المنزل”.[2]

وأضاف صدام: “رأيت أخي بلال (اسم مستعار) يدخل إلى المنزل، وكان يقول إن يده فقط أصيبت. لم يكن يعرف أن الشظايا قد أصابته في أماكن متعددة من جسمه. لا أستطيع أن أصف هول الموقف. قمنا بإسعافه، هو وأخي الآخر، الذي أصيب أيضاً في أقدامه بشظايا، إلى مستشفى المتوكل الذي يقع أمامنا. كان الرصاص ينهمر علينا من عمارة بجوار جامعة المستقبل مكونة من ثمانية طوابق يتمركز فيها مسلحون يتبعون طارق صالح، لكننا لم نصب.”[3]

وتبعد المسافة بين موقع تمركز قوات صالح ومستشفى المتوكل حوالي 200 متر.

سعيد قائد (19 سنة)، كان رفقة بعض إخوته في حوش منزلهم، يحرسونه خوف أن يقتحمه مقاتلو أحد الطرفين. قال سعيد في شهادته عن الأحداث لـ”مواطنة”: “في يوم السبت 2 ديسمبر/ كانون الأول 2017، عند حوالي الساعة 8:30 مساءً، خرجنا نتفقد الأبواب، وبينما كنت أمشي، سقطت قذيفة وانفجرت في الحوش. ارتفعت في الهواء، ثم سقطت أرضاً من شدة الانفجار. هرولت إلى الباب الخلفي للمنزل فوجدته مغلقاً. سمعت أهلي ينادون أخي بلال وينادونني ويبحثون عني، لذا عدت إلى مدخل المنزل. دخلت… ورأيت أخي بلال ممدداً وسط الحجرة، كان مغمى عليه وجسده مغطى بالدم ومصاباً بشظايا”.[4]

وعن إسعاف بلال، أضاف سعيد: “كانت هناك اشتباكات متقطعة في مناطق مجاورة. فتحت باب الحوش المقابل لبوابة مستشفى المتوكل. كان مصدر الرصاص الذي يطلق نحونا من اتجاه جامعة المستقبل. كان ابن عمي أحد المسعفين، ومررت أنا وهو وأخي بلال، المصاب، بين الرصاص، رغم إصابتي بقدمي بشظايا من القذيفة. أُغمي عليّ فور وصولنا إلى المستشفى، ولم أستيقظ إلا في منتصف الليل الساعة 12:00 ص. كان الجميع يبكون، ثم عرفت أن أخي بلال قد توفي بعد إسعافه بحوالي 15 دقيقة.”[5]

في ذات الحي، قالت أم خلدون- اسم مستعار- (46 سنة): “قبل ظهر السبت 2 ديسمبر/ كانون الأول 2017، كنت أقف عند باب المنزل مع أولادي الثلاثة. سمعت انفجارا كبيرا. أقفلت الباب، ثم سمعت جارتي تصرخ. بعد دقائق رأيتها تُخرج ابنتها إيمان (4 سنوات) إلى أمام منزلي. تحاشيت النظر إلى جارتي وهي تُخرج أيضاً طفلها القتيل خالد ذو العامين. كنت أرى أمعاءً لكن لم أعرف هل هي لإيمان أم لخالد. بعد قليل ذهبتْ وجلبتْ رِجلاً، يبدو أنها لابنتها، ووضعتها فوق جثتها. كانت تصرخ وتقول: يا رب.. يا رب! إن اقتنعت من أولادي، ابقِ لي زوجي!”[6]

هذه الأم، رشا أحمد علي الشعيبي (25 سنة)، التي فقدت ابنتها وابنها وزوجها في الأحداث، قالت في شهاداتها لـ”مواطنة”: ” كنت أجهّز الغداء، وكان زوجي محيي الدين نعمان ردمان (27 سنة) يقف عند الباب ويتحدث إليَّ، وإلى جانبه كانت تقف إيمان وخالد. لم أعلم بشيء. لم أسمع غير أزيز، ومن ثم رأيتهم قد طًحنوا طحناً. كنت أصيح، أنقذوا زوجي!، لكن الطريق مقطوعة ولم يسمعني أحد.”[7]

ليست هذه الواقعة الوحيدة التي لم يتمكن فيها المدنيون من الوصول إلى المرافق الطبية لتلقي الرعاية الصحية جراء الاشتباكات المسلحة. فقد ذكرت بشرى عبدالله علي (29 سنة) في شهادتها لـ”مواطنة” أن ابنة أختها منال (11 سنة)، توفيت جرّاء عدم تمكنها من الحصول على الرعاية الطبية المناسبة خلال فترة الاشتباكات المسلحة. ورجّح الأطباء أن تكون وفاتها بسبب التهاب الزائدة الدودية.

وأضافت بشرى: “لم تكن هناك اشتباكات في المنطقة التي يسكنون فيها، لكن الخوف سيطر على أغلب أحياء أمانة العاصمة وحولها إلى مدينة أشباح. لم نجرؤ على الخروج من المنزل ونحن لا ندري ما الذي يدور في الشوارع والأحياء المجاورة. منع الخوف والدَيْ منال من الخروج لإسعافها. انتظرا حتى توقفت الاشتباكات، لكن الحالة الصحية لمنال كانت قد تدهورت كثيراً. تم إسعافها يوم الثلاثاء 5 ديسمبر/ كانون الأول، إلى مستشفى الثورة، لكنها توفيت صباح الأربعاء 6 ديسمبر/ كانون الأول 2017.” [8]

وعند الساعة 9:00 من صباح يوم الأحد 3 ديسمبر/ كانون الأول 2017، كان سلطان عبدالله حزام الجوفي (37 سنة)، يقود سيارته عند تقاطع شارع إيران مع شارع صفر. كان في طريقه لشراء الخبز لأسرته حين سقط قتيلاً.

قالت سناء يحيى محسن النشيري (27 سنة) زوجة الجوفي، في مقابلة مع “مواطنة”: “كنت نائمة، وخرج زوجي لاستلام حوالة مالية وشراء خبز للإفطار. جاء الجيران ليبلغوني أنه أصيب. خرجت إلى التقاطع، ووجدتُ سيارته مصدومة، وهو مصاب في الصدر وينزف.”[9]

وفي شهادته على الواقعة، قال هلال محمد: “كنت في المحل، حين مرت سيارة لشخص مدني في نهاية شارع صفر. طلب طقم عليه مسلحون حوثيون في نقطة التفتيش من سائق السيارة التوقف ولم يتوقف. لا أدري لماذا لم يتوقف. أطلقوا النار على السيارة بكثافة، ولم يسمحوا لأحد بالاقتراب لإسعافه إلى أن أتت زوجته.”[10]

وأضافت سناء النشيري، زوجة الجوفي: “وضعه المسلحون في طقم عسكري كان على متنه مسلحان أحدهما يرتدي زياً مدنياً، وآخر عسكرياً يتبع قوات الأمن الخاصة (الأمن المركزي سابقاً). طلبت منهما إسعافه، وكانا ينظران إليَّ بصمت. دخلت معهما في مشادة، وشددت قميص أحدهما، فقاما بنقله إلى مستشفى الموشكي، ولحقتهم بتاكسي. عندما وصلنا، قال لنا العاملون في المستشفى إنه قد فارق الحياة.”[11]

في واقعة أخرى، روى أحمد علي (20 سنة) في مقابلة مع “مواطنة”، جانباً من اللحظات الأخيرة في حياة زميل عمل له، في بقالة بالقرب من تقاطع شارع بغداد مع شارع الستين. قال أحمد: “في يوم السبت 2 ديسمبر/ كانون الأول 2017، توجه العاملون في البقالة إلى السكن عبر الباب الخلفي للبقالة. تأخرت أنا وعلاء مجلي (16 سنة) داخل البقالة لنغلق الأبواب، وبعد أن هدأت الاشتباكات حوالي الساعة 4:30 مساء، سلكنا الباب الخلفي لنلحق بزملائنا إلى السكن.”[12]

وأضاف علي أحمد الصباحي (28 سنة)، الذي ذهب ليفتح لهما الباب: “ما أن فتحت الباب حتى سقط علاء أمامي غارقاً في دمائه”. [13]

شقيق علاء الأكبر، إبراهيم (38 سنة)، الذي قام بإسعافه في تلك اللحظة على متن دراجة نارية والاشتباكات مستمرة، قال لـ”مواطنة”: “شعرت فور خروجنا من السكن بأن علاء قد فارق الحياة؛ فقد أصيب برصاصتين قاتلتين: رصاصة في الرقبة تحت الأذن اليسرى، والأخرى أسفل الكتف استقرت في القلب. هناك من أطلق عليه النار بدقة، لكن لا أستطيع أن أحدد المصدر.”[14]

في يوم السبت 2 ديسمبر/ كانون الأول 2017، أطلق مستشفى الدكتور عبدالقادر المتوكل نداء استغاثة على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”. ناشد المستشفى أطراف النزاع “ضرورة تجنيب المستشفى خلافاتهم المسلحة، والسماح بإدخال الأكسجين والعلاجات والمياه والغذاء للمرضى والأطباء والإداريين داخل المستشفى”.[15]

في مقابلة مع “مواطنة”، قال شاهد عيان كان متواجداً في مستشفى المتوكل: “طلب الحوثيون منذ اليوم الأول للاشتباكات أن نسمح لـ”قناص” من طرفهم أن يدخل، ولكن لم نسمح بذلك. في تلك الليلة لم يستطع أحد مغادرة المكان بسبب الوضع في الخارج، وفي اليوم الثاني، أصبحت الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة والقذائف، واضطررنا لنقل جميع المرضى إلى قبو المستشفى حتى ظهر الأحد. كان الجميع محتجزاً من دون أكل، واضطررنا إلى تناول التغذية الخاصة بالأطفال.”[16]

وأضاف شاهد عيان آخر كان متواجداً في المستشفى حينها: “لم يكن لدينا طعام. اضطررنا أن نأكل أغذية الأطفال، حتى تمكن بعض الشباب من الخروج وجلب الخبز. كان الماء متوفراً حتى أصابت أعيرة نارية خزانات المياه يوم السبت. وفي اليوم التالي، أصابت أعيرة نارية أنابيب المياه. بعدها لم نتمكن من الحصول على الماء.”[17]

وبحسب المعلومات التي جمعتها “مواطنة”، فقد كان 48 مريضاً، قرابة نصف هؤلاء ممن استقبلهم المستشفى من ضحايا الاشتباكات، إلى جانب الطاقم الطبي ومرافقي المرضى، محاصرين في المستشفى قرابة يوم كامل. تم إنزال المرضى إلى قبو المستشفى ظهر السبت، حوالي الساعة 12:00 مساءً، ومن ثم تم إجلاؤهم قبل ظهر الأحد، عند حوالي الساعة 11:30 صباحاً.

وقال شاهد ثالث عن هذه الواقعة: “أراد الحوثيون عصر الأحد 3 ديسمبر/ كانون الأول 2017، أن يدخلوا المستشفى بالقوة، وحاولوا كسر الباب بالقوة، لكن لم يستطيعوا. لاحقا تم فتح الباب والسماح لهم بالدخول، وعندما سُئلواعن سبب دخولهم، قالوا: أوامر وتوجيهات’.”[18]

وأضاف هذا الشاهد، أن مسلحي جماعة أنصار الله (الحوثيين) كانوا يتحدثون بلغة رمزية فيما بينهم. وبعد دخول المسلحين إلى المستشفى، وصلت دبابة واحدة على الأقل، وتمركزت بالقرب من المستشفى.[19]


[1]Relifweb,Statement by the Humanitarian Coordinator for Yemen, https://reliefweb.int/report/yemen/statement-humanitarian-coordinator-yemen-jamie-mcgoldrick-requesting-humanitarian-pause.
[2]مقابلات مواطنة لحقوق الإنسان مع أهالي الضحايا، تاريخ 9 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[3]السابق.
[4]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع سعيد قائد، تاريخ 9 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[5]السابق.
[6]مقابلات مواطنة لحقوق الإنسان مع شهود عيان، تاريخ 13 ديسمبر/كانون الأول 2017.
[7]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع رشا أحمد علي الشعيبي، تاريخ 13 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[8]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع بشرى عبدالله، تاريخ 20 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[9]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع سناء يحيى محسن النشيري، تاريخ 5 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[10]مقابلات مواطنة لحقوق الإنسان مع شهود عيان، تاريخ 5 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[11]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع سناء يحيى محسن النشيري، تاريخ 5 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[12]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع أحمد علي، بتاريخ 13 يناير/ كانون الثاني 2018.
[13]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع علي أحمد الصباحي، بتاريخ 13 يناير/ كانون الثاني 2018.
[14]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع إبراهيم مجلي، بتاريخ 13 يناير/ كانون الثاني 2018.
[15]نداء استغاثة أطلقه  مستشفى عبد القادر المتوكل على صفحته في موقع فيس بوك https://www.facebook.com/almutawakelhospital/posts/1767778433232572
[16]مقابلات مواطنة لحقوق الإنسان مع شهود عيان، بتاريخ 12 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[17]السابق.
[18]السابق.
[19]السابق.

مشاركة