في 2017، وثّقت مواطنة لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 89 هجمة شنتها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات على مدنيين و أعيان مدنية في 10 محافظات يمنية. أسفرت هذه الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 357 مدنياً، بينهم 161 طفلاً و 45 امرأة، وجرح 294 مدنياً، بينهم 101 طفل و 56 امرأة. و قد شنّ التحالف هذه الهجمات على منازل و أسواق و مدارس و مزارع و صيادين.

قبيل حلول الذكرى الثانية لبدء العمليات العسكرية للتحالف العربي بقيادة السعودية و الإمارات في اليمن، أصدرت مواطنة لحقوق الإنسان بياناً في 24 مارس/ آذار 2017، أدانت فيه هجمات التحالف التي وثقتها المنظمة و أدت إلى مقتل وجرح مئات المدنيين. و أشارت “مواطنة” في ذات البيان، إلى توثيقها واقعة استخدم فيها التحالف العربي سلاحاً إيطالي الصنع، إلى جانب هجمات أخرى استخدم فيها أسلحة أمريكية و بريطانية الصنع. و دعت المنظمة الدول المساندة للتحالف العربي، و في مقدمتها الولايات المتحدة و المملكة المتحدة، إلى وقف صفقات بيع الأسلحة للسعودية، بسبب إمكانية استخدامها ضد مدنيين وأعيان مدنية.[1]

الإطار القانوني:

يتضمن القانون الدولي الإنساني القواعد والمبادئ التي ترمي في المقام الأول إلى حماية من لا يشاركون في الأعمال الحربية، أي المدنيين. كما يحدد معايير السلوك الإنساني و يقيد وسائل و أساليب العمليات العسكرية. و الهدف الجوهري لهذا القانون هو الحد، إلى أكبر مدى ممكن، من المعاناة الإنسانية أثناء النزاعات المسلحة.

و من القواعد الأساسية في القانون الدولي الإنساني، أن على أطراف أي نزاع، العمل في كل الأوقات على مبدأ التمييز بين المقاتلين و غير المقاتلين، و خاصة المدنيين، و أن تُوجه الهجمات ضد المقاتلين “فقط”، و يُمنع توجيهها ضد المدنيين. كما يتعين على أطراف النزاع المسلح التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.

الأعيان المدنية هي المباني و الأماكن و غيرها من الممتلكات أو الموجودات المادية التي ليست أهدافاً عسكرية. هذه الأهداف العسكرية تقتصر على الأعيان التي تسهم إسهاما فعالاً في العمل العسكري أو النزاع المسلح، سواء بطبيعتها أو موقعها أو غاية استخدامها، و الذي بالاستيلاء عليه أو تدميره جزئيا أو كليا أو تعطيله، تتحقق ميزة عسكرية مؤكدة. و تُعتبر الهجمات ضد المدنيين أو ضد أعيان مدنية جريمة حرب.

و يُعتبر قصف مناطق مدنية دون وجود أهداف عسكرية، هجوماً مباشراً، و تدخل هذه الأعمال ضمن تصنيفات جرائم الحرب. و يقع على الأطراف المتحاربة مسؤولية اتخاذ احتياطات ضرورية لحماية المدنيين و الأعيان المدنية الواقعة تحت سيطرتها من الأثار العكسية للهجمات.

وقائع:

  • عند حوالي الساعة 2:30 من بعد ظهر الأربعاء 1 فبراير/ شباط 2017، استهدف التحالف العربي منزلاً في قرية سنع، الواقعة في منطقة حدة بصنعاء. أدت هذه الهجمة إلى مقتل أسرة كاملة مكونة من خمسة أفراد بينهم طفلين. و لم ينجُ من الموت سوى طفلة واحدة (عنود 8 سنوات) بسبب تواجدها خارج المنزل أثناء وقوع الهجمة.

قال عباس عبدالله حسين المطاع (45 سنة)، وهو شاهد عيان على الواقعة: “هرعت مع عدد من المسعفين إلى الموقع الذي سقطت عليه القنبلة. وجدنا الأمّ بين الأنقاض، و كانت حينها ما تزال على قيد الحياة، و تم إسعافها. لاحقاً شاهدت طفلة …”.وتوقف المطاع عن الحديث بضع ثوان وكان متأثراً للغاية والدموع تملأ عينيه. ثم أضاف: “لم أستطع البقاء أكثر، و لم يستطع قلبي تحمل كل تلك المشاهد”.[2]

  • و في فجر الجمعة 25 أغسطس/ آب 2017، عند حوالي الساعة 2:20 صباحاً، استهدفت قوات التحالف منطقة فج عطان في العاصمة صنعاء بأربع قنابل. سقطت قنبلتان منها على مقر عسكري خاضع لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) كان يتعرض باستمرار لهجمات جوية. فيما استهدفت القنبلتان الأخريان مبنى سكنياً يبعد عن الموقع العسكري المستهدف قرابة 200 متر.

قام أحد خبراء الأسلحة لدى منظمة العفو الدولية بتحليل بقايا إحدى القنابل، و توصل إلى أنها تحمل علامات واضحة تماثل مكونات أمريكية الصنع عادةً ما تُستخدم في القنابل الموجَّهة بأشعة الليزر التي تُلقى من الجو.[3]

و رغم أن استهداف الموقع العسكري يدخل ضمن الأعمال العسكرية غير المجرّمة في قوانين الحرب، إلا أن حقيقة استخدام أسلحة موجهة عن بعد ولديها إمكانية التمييز بدقة بين الأهداف العسكرية من المدنية، يجعل من الخسائر بين المدنيين عملاً غير مشروع، و غير محكوم بقاعدة الضرر الجانبي الذي لا يُمكن تجنبه. و في هذه الحالة، كان بالإمكان تجنب هذا الضرر.

تسببت هذه الهجمة الجوية في مقتل ما لا يقل عن 16 مدنياً، بينهم سبعة أطفال و ثلاث نساء، و جرح 17 آخرين، بينهم ثمانية أطفال و ست نساء. لقد تحول المبنى السكني إلى كومة من الحديد و الأسمنت، و كأن زلزالاً أصابه و هدمه على رؤوس ساكنيه. و بسبب الهجمة نفسها، تغيرت تماماً حياة سبع أُسَر، فيما تعيش بقية الأُسَر الناجية من الهجمة، الخوف و النزوح. و برزت في وسائل الإعلام المحلية والعالمية الصورة المؤلمة للطفلة بثينة الريمي (سبع سنوات)، التي فقدت جميع أفراد أسرتها، و هي تحاول فتح عينها اليمنى لترى ما تبقى لها من عالمها.

و قال علي منصور سعد الريمي (32 سنة)، عمّ الطفلة بثينة لـ”مواطنة”: “كنت على تواصل مع أخي محمد (38 سنة)، وسألني: أين هذه الغارة؟ قلت له: بالقرب منكم! فقال: لقد أرعبوا اطفالي. فجأة أنقطع الاتصال، و حاولت الاتصال به عدة مرات، لكنه لم يردّ. كنت أجري مشياً على الأقدام من جوار معهد يالي في شارع بغداد قاصداً منزل أخي، و لم أستطع العثور على سيارة تاكسي في ذاك الوقت المتأخر. وصلت إلى المنطقة التي تعرضت للقصف، و كان عدد من مسلحي جماعة أنصار الله يطوقون المكان و يمنعون دخول الناس. تغيرت معالم المكان إلى الحد الذي لم أستطع فيه التعرف على منزل أخي. سألتهم: أين البيت الذي قُصْف؟! فقالوا: هنا. تقدمت ناحية المكان، ووجدت أن شقيقي وجميع أفراد أسرته (زوجته و شقيقها و ستة من أولاده) قد قتلوا”.[4]

  • و في يوم الثلاثاء 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، عند حوالي الساعة 9:00 مساءً، استهدف طيران التحالف أسرة أحمد ناصر جارالله (45 سنة)، غرب قرية المرة بمديرية برط العنان محافظة الجوف. قتلت هذه الهجمة ستة مدنيين من أفراد الأسرة، بينهم ثلاثة أطفال، فيما جُرح طفلان. زارت “مواطنة” مكان الواقعة، و تبيّن أنه عبارة عن منطقة صحراوية نائية، و لا توجد بها مظاهر لتواجد عسكري.

و قال لـ”مواطنة” أحمد صالح ثوابة (30 سنة)، الذي يعمل في رعي الأغنام و يسكن على بعد 120 متراً من مكان الواقعة: “استهدف الطيران السعودي أسرة أحمد ناصر جارالله في مخيمهم. قُتل ستة أشخاص هم رب الأسرة أحمد ناصر هادي جارالله، و زوجته رسمة محمد ناجي (40 سنة) و بناته حكمة (19 سنة)، و سمراء (17 سنة) و شفاء (خمس سنوات) و الطفلة الرضيعة هبله (سنة ونصف). و أُصيب في الغارة مشعل (16 سنة) بحروق في جميع أنحاء جسمه، و علي (11 سنة) أصيب أيضاً بحروق و كسر في فخذه الأيسر”.[5]

و أضاف ثوابة: “سقطت القنبلة الأولى مباشرة على الخيمة التي كانت الأسرة تقطن فيها. و سقطت القنبلة الثانية بين خيمة المطبخ و حظيرة الأغنام، على بُعد حوالي أربعة أمتار عن خيمة الأسرة، و ذلك بعد حوالي دقيقتين من سقوط القنبلة الأولى. و كادت القنبلة الثالثة التي سقطت لاحقاً بعد خمس دقائق تقريباً، على مسافة 10 أمتار تقريباً من القنبلة الثانية، أن تقتلنا نحن المسعفون، لكن و الحمد لله، لم يصب أحد منا بأذى. لم نستطع إسعاف الجرحى إلا بعد أكثر من نصف ساعة بسبب تحليق الطيران. لا يوجد مبرر لاستهداف المنطقة و ليس فيها مواقع عسكرية أو حتى نقاط أمنية. و هذه الأسرة المسكينة هم من البدو، و يسكنون في المنطقة منذ حوالي خمس سنوات، و لا يوجد بينهم موالون للحوثيين. لقد تناثرت أشلاؤهم بصورة بشعة و ظللنا نجمع الأشلاء حتى صباح اليوم التالي”.[6]

محافظة تعز كان لها نصيب من الغارات الجوية أيضاً؛ فإلى جانب ما يعانيه المدنيون فيها من متاعب و ظروف صعبة جراء النزاع البري المسلح، لم تكن في مأمن من الهجمات الجوية التي شنّها التحالف العربي.

  • ففي يوم الثلاثاء 26 ديسمبر/ كانون الأول 2017، عند حوالي الساعة 8:00 صباحاً، أدى هجوم جوي لقوات التحالف على سوق شعبي في منطقة الحيمة السفلى بمديرية التعزية في محافظة تعز، إلى مقتل 27 مدنياً، بينهم ستة أطفال، و جرح ثمانية آخرين بينهم طفل.

و بحسب المقابلات التي أجرتها “مواطنة”، فقد كان عدد كبير من ضحايا الهجمة من بائعي القات الذين كانوا وصلوا إلى السوق للتو.

قال عبدالله محمد مدهش (45 سنة)، الذي قتل شقيقه وصهره في الواقعة: “قبل جريمة القصف الجوي بـ12 ساعة تماماً، عند الساعة 8:00 من مساء اليوم السابق (الإثنين 25 ديسمبر/ كانون الأول 2017)، كان طيران التحالف يحلق بكثافة من بعد صلاة المغرب (حوالي الساعة 6:00 مساءً)، و قصف بقنبلة السوق الشعبي ذاته، لكن السوق كان خالياً. أتى عدد من أصحاب الدكاكين الصغيرة في السوق من قراهم المجاورة، و كانت الأضرار المادية طفيفة، و لم تصب بضائعهم بأذى.”[7]

و أضاف: “في اليوم التالي عند الساعة 8:00 صباحاً، كُنت في منزلي بقرية وادي عريق على بعد نصف كيلومتر تقريباً من السوق الشعبي من الجهة الشمالية. سمعت تحليق الطيران و بعدها سمعت دوي الانفجار الذي كان قوياً جداً. خرجت بعد الواقعة بساعة تقريباً، و وصلت إلى السوق و الضحايا لا يزالون في الشارع، و لم يستطع المسعفون من قريتنا أن ينقلوا كل الضحايا لأن العدد كبير جداً و أشلاء الناس في كل مكان. كان المنظر مقززاً جداً، و لم أستطع تحمل ذلك. كانت الفاجعة الكبرى عندما كان يحاول الناس معرفة هوية الضحايا و يتفاجؤون بأن الضحايا من ذويهم، و ذات الأمر حدث معي. أخبرني بعض أهالي المنطقة بأن أخي سرحان محمد مدهش علي (57 سنة) أحد الضحايا. ذهبت لأبحث عنه لكن جثث الضحايا كانت تملأ المكان، وكنت أمشي وأشعر بغثيان كلما لمحت عيناي أشلاء الضحايا و جثثهم المحترقة و المتفحمة في مكان الواقعة بالشارع العام في السوق. و عندما رأيت جثة أخي كانت مقلوبة على البطن، و على بعد مسافة صغيرة من الجثث المتفحمة و المتناثرة في السوق. كانت إصابته في الرأس من الجهة الخلفية والكتف الأيمن من الجهة الخلفية أيضاً. عثرت على جثة صهري قائد علي ناجي الوقص (45 سنة) بالقرب من جثة أخي، و كانت أحشاء جسمه خارج بطنه. لم أستطع أكل لقمة واحدة إلى بطني كلما تذكرت ذلك المشهد”.[8]

 

 


[1]مواطنة لحقوق الإنسان، مواطنة: التحالف بقيادة السعودية يستهدف المدنيين في اليمن على مدى عامين، 24 مارس/ آذار 2017.
[2]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع عباس عبد الله المطاع، تاريخ 2 فبراير/ شباط 2017.
[3]منظمة العفو الدولية، اليمن: قنبلة أمريكية الصنع تسفر عن قتل وتشويه أطفال في ضربة مدمِّرة على منازل آهلة بالسكان، https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2017/09/yemen-us-made-bomb-kills-and-maims-children-in-deadly-strike-on-residential-homes/.
[4]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع علي منصور الريمي، تاريخ 25 أغسطس/ آب 2017
[5]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع أحمد صالح ثوابة، تاريخ 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2017
[6]السابق.
[7]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع عبد الله محمد مدهش، تاريخ 27 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
[8]السابق.

مشاركة