في 2017، وثّقت مواطنة لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 89 واقعة هجوم بري معظمها في محافظة تعز (66 واقعة). أما بقية الوقائع، فقد توزعت بين محافظات أخرى كالجوف، مأرب، صنعاء، أبين ولحج. و تتحمل جماعة أنصار الله (الحوثيون) مسؤولية معظم الهجمات العشوائية الدامية، في حين وثّقت “مواطنة” مسؤولية “المقاومة الشعبية” و القوات الموالية للرئيس هادي، عن هجمتين على الأقل.
أدت هذه الهجمات إلى مقتل ما لا يقل عن 160 مدنياً، بينهم 99 طفلاً، و 14 امرأة، وجرح 184 مدنياً، بينهم 92 طفلاً و 30 امرأة.
عانى المدنيون طيلة العام 2017، في عدة محافظات يمنية، لا سيما تعز، من الهجمات البرية العشوائية التي تشنها أطراف النزاع.
و سبق أن وثّقت “مواطنة” في تقرير “فصول من جحيم” الذي صدر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، استخدام أطراف النزاع أسلحة عديمة التمييز في هذه الهجمات، كقذائف هاون شديدة الانفجار، قذائف آر بي جي RPG – 7، و صواريخ عيار 122 ملم M – 21 تطلق من قاذفات صواريخ غراد BM – 21.[1]
الإطار القانوني:
تنص المادة (13) من البروتوكول الثاني المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، على أنه يجب دائماً على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين و المقاتلين، و ألاّ تكون الهجمات موجهة ضد مدنيين، و أن المقاتلين فقط، هم من يمكن مهاجمتهم.
و بموجب المادة (13)، و من أجل ضمان حماية المدنيين، يجب على أطراف النزاع الاهتمام و أخذ كل الاحتياطات الممكنة لتجنيب السكان المدنيين الهجمات، و تفادي، و الحد من، قتل و جرح المدنيين، و الإضرار بالأعيان المدنية. و بموجب القانون الدولي الإنساني، يجب على أطراف النزاع، التمييز بين الأهداف المدينة و العسكرية أثناء سير العمليات العدائية.
و تجدر الإشارة إلى أنه حتى الهجمات التي تشن ضد المقاتلين أو الأهداف العسكرية، تخضع لقواعد تهدف إلى ضمان حماية المدنيين أثناء سير العمليات العدائية. فعلى سبيل المثال، يجب على أطراف النزاع تقييم نوع وطبيعة الأسلحة المستخدمة، تأثيرها المحتمل، مداها، و ما إذا كان هناك تكتيك آخر قد يخدم حماية المدنيين و المنشآت بشكل أفضل. و لا بدّ أيضاً من تقييم الموقع، سواء لهدف عسكري و/أو مقاتل أو مقاتلين. و في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، حيث يتموضع هدف عسكري في وسط منطقة مدنية، يجب على أطراف النزاع استخدام أسلحة دقيقة فقط، و التي يجب أن تستخدم على نحو يحدّ من خطر وقوع خسائر في أرواح المدنيين و/أو إصابتهم.
و يحظر القانون الدولي الإنساني استخدام مقذوفات غير موجهة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ما يجعل من غير الممكن تصويبها بدقة نحو أهداف محددة، كونها عشوائية التوجيه بحكم تصميمها، و يشكل استخدامها بالتالي، جريمة حرب. كما توصف قذائف الهاون بكونها ذخائر تفتقر إلى الدقة و لا ينبغي استخدامها أبداً في الهجوم على أهدافٍ عسكرية تقع داخل مناطق المدنيين أو على مقربة منها.[2]
و عند استخدام أسلحة دقيقة لمهاجمة هدف عسكري يتموضع في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، يجب أن يضمن التقييم أن الهجوم متناسب. و الفشل في القيام بذلك، يجعل من الهجمات العشوائية انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني و جريمة حرب.
وقائع:
- في يوم الأربعاء 18 يناير/ كانون الثاني 2017، عند حوالي الساعة 8:45 مساءً، سقطت قذيفة على منزل وليد محمد راشد الشميري بمدينة النور في تعز، و قذيفة أخرى تبعد عن المنزل بحوالي ثلاثة أمتار. أدت هذه الهجمة إلى مقتل تسعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، و جرح ستة آخرين، بينهم طفلين.
و من خلال الشهادات التي جمعتها “مواطنة” عن الواقعة، يعتقد بأن مصدر إطلاق القذيفتين من شمال المدينة، تحديداً من شارع الستين، الذي يبعد عن مكان الواقعة بحوالي نصف كيلومتر. و كانت تتمركز في ذلك الموقع، قوات تابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين). و تقع أقرب نقطة للمقاومة الشعبية من مكان الواقعة على مسافة تقدر بحوالي 400 متر. [3]
و في شهادته التي أدلى بها لـ”مواطنة”، قال عبده أحمد الشميري (40 سنة)، و الذي جُرح مع خمسة آخرين في نفس الهجمة: “كنت قبل وقوع الحادثة في منزلي الذي يبعد عن مكان سقوط القذيفة بحوالي 10 أمتار. سمعت صوت صفير قوي جداً فتوقعت وقتها أن القذيفة ستسقط في الحي. بعد ذلك بثواني قليلة سمعت صوت انفجار قوي جداً، أقوى بكثير من صوت الرعد. خرجت مباشرةً من منزلي لأرى ما الذي حدث، فرأيت تجمعاً لعدد من أهالي الحي أمام منزل جارنا وليد، فعلمت منهم أن القذيفة سقطت على منزله. كان سكان المنزل خارجه في تلك اللحظة. بعدها جاء عاقل الحارة و قام بتفريق الجموع خوفاً من وقوع قذيفة أخرى. كنت قد ابتعدت قليلاً من مكان تجمعهم، و بعد أربع أو خمس دقائق، سمعت صوت صفير مرة أخرى و هرعت مسرعاً الى الجهة المقابلة، و سقطت القذيفة الثانية على مسافة مترين أو ثلاثة أمتار من مكان التجمع بالقرب من القذيفة الأولى. كنت أصرخ بشدة لأني خائف، فتجمّع شباب الحيّ و قاموا بإسعاف الضحايا، و قام أحدهم بحملي حين رآني أنزف من رأسي و يدي اليمنى”.[4]
و تحدث لـ”مواطنة” محمد محمد علي ناصر (24 سنة)، و هو شاهد عيان على هذه الهجمة. قال محمد: “كنت أثناء الواقعة أمضغ القات مع الشباب في الحيّ. سمعت صوت انفجار القذيفة الأولى التي سقطت على بعد حوالي 16 متراً. وصلت في الوقت الذي وصل فيه عاقل الحارة، فصرخ في وجهي قائلاً: ‘لا تتجمعوا. سيقصفون مرة ثانية’. مشى الجميع في اتجاه، و مشيت أنا في اتجاه معاكس. بعد ابتعادي عنهم بدقيقة واحدة، سمعت صوت انفجار القذيفة الثانية، فتوقعت على الفور أنها أصابت من كانوا متجمعين، فعدت راكضاً لأراهم وقد لازموا الأرض، و تفاجأت من هول المنظر. بقيت أتحسسهم و أنا مصدوم، لا أعلم ما الذي أفعله”.[5]
و استرسل محمد موضحاً هول ما حدث: “وقفت أمام هاشم محمد محمد صالح (27 سنة) و هو مبتور من بطنه، و قد خرجت أمعاؤه خارج جسده، فشعرت بالدوار. جاء أحد المسعفين و أمسكني من يدي و سحبني إلى القرب من علي محسن ثابت الوهاسي (45 سنة) الذي كان يصرخ من إصابة في قدمه، لأحمله معه. فحاولت أن أحمله، لكن يداي كانتا ترتعشان والخوف يملؤني. كنت أحمله فيسقط من يدي، ثم أعود وأحمله فيسقط من يدي مرة أخرى، حتى وصلنا إلى السيارة التي نقلت الضحايا. أجهشت بالبكاء رغماً عني، و بعد أن أوصلنا الضحايا إلى مستشفى البريهي، و لاحقاً تم تحويلهم الى مستشفى الثورة، عدت إلى منزلي”.[6]
و روى علي محسن الوهاسي، (45 سنة)، و هو عاقل الحارة[7]، شهادته عن اللحظات التي أعقبت سقوط القذيفة الثانية. قال الوهاسي لـ”مواطنة”: “أصابت شظية رجلي اليمنى في الفخذ، و أخرى في كعب القدم اليمنى، و بقيت متماسكًا، و لم أسقط. كنت أتحسس مكان إصابتي، وفجأة ارتمى فوقي راني محمد محمد صالح (20 سنة)، و سقطت أثناء ارتطامه على جسدي إلى الارض. كان ينزف من رأسه. التفتُ حولي لأطلب المساعدة فرأيت كل من كان حولي قد سقطوا أرضاً، منهم من قد خرجت أحشاؤهم إلى الأرض و تقطعت أجسادهم، و منهم من فقد ساقه، و منهم من فقد يده، و الكثيرون فقدوا أرواحهم. كنت أتفقد راني فرأيته و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فصرخت حتى جاء بعض أهالي الحي، فطلبت منهم إسعافنا، لكن أغلبهم حينما شاهدوا بشاعة المنظر تخوفوا. بقينا في تلك الحالة حتى جاء أهالي الضحايا و قاموا بإسعافنا إلى مستشفى البريهي. مكثنا فيه خمس دقائق، و تم نقلنا بعدها إلى مستشفى الثورة”.[8]
و قال جمال علي محمد الوصابي (16 سنة)، و هو أحد المصابين، إنه كان يلتقط صوراً لموقع القذيفة الأولى التي سقطت على منزل جاره وليد، و بعد أن تمّ تفريق تجمّعهم من قبل عاقل الحارة، بقي مع صديقه حسام عادل قاسم الشميري (16 سنة) يتصفحان الصور التي التقطها. غير أن القذيفة الثانية كانت أسرع من إصبعه على شاشة الهاتف؛ قتل حسام على إثر سقوط القذيفة.
و أضاف جمال: “رأيت حسام ممسكاً على صدره و الدماء تسيل من تحت يديه. وضعت يدي على صدره و كنت أناديه، و كان ينظر إلي بصعوبة بالغة، و امتلأت يداي بالدماء. كنت أحسبها دماء حسام حتى شعرت بالألم، فاكتشفت إصابتي في اليد اليسرى و الجانب الأيسر من الصدر و البطن. بقيت أبكي و أصرخ باسم ‘حسام’ حتى تجمع حولي بعض الناس و قاموا بإسعافنا. لم أفلت يدي من يد حسام حتى مات. تم إسعافنا إلى مستشفى البريهي، و هو مازال على قيد الحياة. كنت أتوسل الاطباء لإنقاذ حياته، فقال لي أحدهم: ‘لقد انتهى’. صرخت صرخة مدوية، و بقيت أراقبه بخوف شديد حتى مات، ثم نُقلنا لاحقاً إلى مستشفى الثورة”.[9]
- و في عصر الجمعة 24 فبراير/ شباط 2017، عند حوالي الساعة 5:40 مساءً، أدى سقوط مقذوف بجوار مطعم شعبي وسط مدينة مأرب، التي تسيطر عليها القوات الموالية للرئيس هادي، إلى مقتل ثلاثة مدنيين وجرح 16 آخرين، بينهم طفلين.
قال عقلان محمد الجابري (21 سنة)، و هو شاهد عيان عن هذه الهجمة: “كالعادة، كنت في محلّي لبيع البهارات، و الذي يبعد عن المطعم بحوالي 150 متراً. و بينما كان عمال المطعم يحضّرون لوجبة العشاء، فجأة حدث انفجار شديد، و لم أشعر إلا و قد قُذفت إلى الداخل. نهضت مباشرة و خرجت لأجد تفسيراً لما حدث، فرأيت الدخان و الغبار قد غطى المنطقة كاملة. كان ينبعث من أمام المطعم. شاهدت الناس مذعورين؛ أناس يهربون وأناس يهرعون باتجاه مكان الواقعة. خرج أحد الطباخين من داخل المطعم يجري مذعوراً، و وصل إلى محلي و هو يصيح و يقول بأن المطعم بداخله سبعة أو ثمانية قتلى و جرحى. حينها قمت مع مجموعة من الناس الذين تجمعوا بمحاولة إنقاذ المصابين و إسعافهم. بدأنا بمن أصيبوا خارج المطعم حتى يتم إطفاء الحريق والنار المشتعلة بالداخل، ثم قمنا لاحقاً، بنقل القتلى و الجرحى الذين سقطوا داخل المطعم. كما أسعفنا صاحب البقالة المجاورة للمطعم، الذي بُترت رجله اليسرى بسبب شظية أصابته و هو يمضغ القات بداخل بقالته”.[10]
فياض محمد حسان (23 سنة)، و هو شاهد عيان آخر على الواقعة، و كان يقوم بعمله في تركيب لوحة ضوئية خارج محل “الرسام” للدعاية والإعلان، عندما وقع الانفجار. قال فياض: “كان الحريق مشتعلاً في المطعم و الناس مذعورين. رأيت أحد الاطفال مرمياً على الأرض و الدماء على جسده، و قد تم إسعافه على متن سيارة. و شاهدت أيضاً اثنين من العمال عند إخراجهم من المطعم إلى فوق سيارة هايلوكس لإسعافهم إلى المستشفى، و كانوا متفحمين بسبب انفجار القذيفة و الحريق الذي اندلع على إثر انفجار إحدى اسطوانات الغاز”.[11]
قبل هذه الواقعة بسبعة أشهر، قَدِم عباس حسن حميد (15 سنة)، و هو أحد الضحايا الناجين، مع أخيه من محافظة الحديدة إلى مأرب، بحثاً عن عمل لإعالة الأسرة بعد وفاة والدهما. كان عباس في عصر يوم الجمعة ذاك، يمضغ القات برفقة أخيه، و حوالي 10 أشخاص آخرين في إحدى (الدُشم) بساحة سوق العلف (غرف صغيرة جداً مبنية بأحجار صغيرة و مسقوفة بالكراتين و الطرابيل). و تقع ساحة سوق العلف قبالة المطعم الذي سقطت فيه القذيفة. أصيب حميد بشظايا في الرقبة و الصدر، كما جُرح في اليد اليسرى، و أصيب أربعة آخرون بشظايا في أجزاء متفرقة من أجسادهم.[12]
ويعتقد محمد عاتق الخراز (23 سنة)، و هو أحد المسعفين، بأن مصدر المقذوف كان من الجهة الغربية، و تحديداً من منطقة صرواح.[13]
و لا تزال المناطق الغربية لمدينة مأرب، خصوصاً المناطق الواقعة بين محافظتي مأرب وصنعاء، و من بينها صرواح، تشهد اشتباكات عنيفة بين القوات الموالية للرئيس هادي و التحالف العربي بقيادة السعودية و الإمارات من جهة، و بين قوات جماعة أنصار الله (الحوثيين) من جهة أخرى.
- و في يوم الجمعة الموافق 8 سبتمبر/ أيلول 2017، عند حوالي الساعة 10:45 مساءً، أدى سقوط قذيفة على منطقة جولة القصر في مدينة تعز، إلى مقتل أربعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال. كما جُرح رجُل وطفل.
و يُعتقد بأن مصدر إطلاق القذيفة كان من الجهة الغربية للمنطقة المستهدفة، حيث تتمركز المقاومة الشعبية المسلحة في منطقة الشماسي. و تبعد الشمّاسي عن جولة القصر بحوالي كيلومتر واحد و نصف.[14]
و تحدث لـ”مواطنة” عدد من الضحايا و ذويهم عن هذه الهجمة. قالت فاطمة عبد الكريم أحمد (34 سنة)، التي فقدت اثنين من أبنائها: “ختم المتحاربون عرسنا بقذيفة أخذت اثنين من أبنائي واثنين آخرين من أفراد الأسرة، كما أصيب اثنان آخران أيضاً. في يوم الواقعة مساءً، كان البيت ممتلئاً تماماً، وكنت مع أخواتي وضيوفي الذين جاؤوا من الحديدة وصنعاء مع أطفالهم، لحضور عرسنا، و لمشاركتنا أفراحنا. لكنهم شاركونا الفرح، و كذلك العزاء بآخر يوم من أيام العرس”.[15]
و أضافت فاطمة: “يوم الواقعة سمعنا صوت انفجار في المنطقة قبل نصف ساعة تقريباً من الإنفجار القوي، لكنه كان بعيداً و لم يكن قوياً جداً. لم نسمعه بحذر بسبب الضجة التي كانت بداخل البيت. و أثناء الانفجار الثاني الذي حدث في بيتنا و غير فرحة العيد و العرس، كُنت مع العروس و بقية النساء و الفتيات في الشقة الأخرى الشمالية من البيت. كان زوجي جلال محمد حسن و كذلك ابني- العريس- معي في الشقة نفسها، بينما بقية أبنائي و الشباب والأطفال في الشقة الأخرى. سمعنا انفجاراً قوياً بجانب البيت تماماً و هزّ البيت بقوة، و دخل الغبار و الدخان إلى الشقة بفعل الإنفجار”.[16]
و تابعت فاطمة استرسالها في وصف الواقعة: “خرجت مباشرةً في ذلك الوقت مع زوجي، بينما الغبار و دخان الإنفجار أمامنا يكاد أن يكتم أنفاسنا، و قد انطفأت الإضاءة بداخل الشقة التي يجلس فيها الشباب. كان زوجي ينادي ابنينا ماجد (17 سنة) و أشرف (12 سنة) و لا يجيبان. حينها صرخت بكل صوتي للفتيات لجلب مصابيح. عندما دخلنا إلى الشقة كان بابها مخلوعاً و نافذة المجلس على الأرض، و الشقة بالكامل مليئة بأحجار و شظايا. جاء الجيران و قاموا بإخراج جميع الضحايا إلى الشارع، واحداً تلو الآخر، و في كل مرة يخرجون بضحية من داخل الشقة يقولون: ‘هناك المزيد’. أخرجوا بشير عوض حسن (24 سنة) و كان يمشي على أقدامه، لكن بقية الضحايا تم إخراجهم محمولين بين أيادي المسعفين. لم أكن أعلم كم عددهم و أغمي عليّ عندما رأيت ابني أشرف محمولاً على الأيدي، و رجله اليسرى مهشّمة و تنزف”.[17]
و اختتمت فاطمة شهادتها: “تم أخذ الضحايا جميعاً إلى مستشفى “أطباء بلا حدود”. قُتل أربعة أشخاص، بينهم اثنين من أبنائي؛ أحدهما توفي مباشرةً عند وقوع الإنفجار، و الآخر توفي بعد عشرة أيام”.[18]
من جانبه، قال بشير عوض حسن محمد صالح، (24 سنة)، وهو أحد الجرحى، في شهادته على الواقعة: “بعد الانفجار مباشرةً، وتحت كومة الدخان والغبار، رأيت جلال محمد حسن يتجه إلينا وفي يده مصباح. هرعت مباشرةً إليه وهو عند باب الغرفة، ورميت نفسي عليه ليخرجني من ذلك المكان. ثم وصلت حافلة لأحد سكان المنطقة، وكان المسعفون مازالوا يخرجون بقية الضحايا. أًدخلت إلى الحافلة وجاء طقم عسكري يتبع الحوثيين (الطرف المسيطر على المنطقة) ليسعف بقية الضحايا”.[19]
كما تحدث محمد عبدالله سعيد الصنعاني (35 سنة)، والد الطفل الجريح مهران (12 سنة). قال الصنعاني: “كنت حينها في منطقة الحوبان، ووصلني اتصال من أحد الجيران ليخبرني بأن قذيفة سقطت بجانب منزلي (في بيت العرس)، وقد أُصيب ابني مهران. اتصلت بزوجتي، واتصل بي البعض من سكان المنطقة ليخبروني بأن جميع الضحايا تم نقلهم الى مستشفى “أطباء بلا حدود” الواقع في منطقة الحوبان، على بعد ثلاثة كيلومترات تقريباً من منطقتنا لجهة الشرق. فور وصولي للمستشفى، سألتهم مباشرةً عن ابني مهران. كان مصاباً ببعض الشظايا البسيطة، لكنه كان يمسك بيده على عينيه لأن بعض الشظايا أصابت العين اليسرى عندما سقطت القذيفة. لقد كان في نفس المنزل مع بقية الضحايا. قال العاملون في المستشفى إن إصابات العيون تحتاج لطبيب متخصص، وأن هذا لا يتوفر حالياً في محافظتنا (محافظة تعز). حملت ابني لإسعافه إلى مدينة إب، وعند خروجي، تم نقل فتحي عوض حسن (22 سنة) إلى مستشفى الخليج الدولي بمنطقة الحوبان و لكن لم تكتب له الحياة و توفي في صباح اليوم التالي”.[20]
و اختتم الصنعاني شهادته: “غادر الكثيرون من السكان منطقتنا منذ اقتراب الحرب منها. و بعد هذه الواقعة، نزحت من منزلي في جولة القصر، و استأجرت منزلاً في منطقة مفرق ماوية شرقي تعز. مازلت أنقل ابني من مكان لآخر ومن عيادة لأخرى، في إب وصنعاء. خسرت أكثر من مائتي ألف ريال (حوالي 450 دولار أمريكي) دون جدوى. و لا يزال ابني بحاجة لعملية جراحية لإخراج الشظايا و الأجسام الغريبة التي أصابت عينه”.[21]