
وثّقت “مواطنة” خلال العام 2017، 33 واقعة اختفاء قسري قامت بها جماعة أنصار الله (الحوثيون) في ست محافظات يمنية– صعدة، صنعاء، البيضاء، ذمار، الحديدة وتعز. كما وثّقت 68 واقعة قامت بها مجموعات مسلحة تابعة للتحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات والقوات الموالية للرئيس هادي، في ست محافظات أخرى– عدن، أبين، لحج، مأرب، حضرموت وشبوة. حدثت وقائع الاختفاء القسري الموثقة في هذا التقرير في 2017، ولايزال بعض الضحايا مختفون قسرياً حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
خلال هذا العام، مارست أطراف النزاع في اليمن؛ جماعة أنصار الله (الحوثيون)، والمجموعات المسلحة التابعة للتحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات والقوات الموالية للرئيس هادي على حد سواء، الإخفاء القسري في المناطق التي تسيطر عليها. وقد مارست أطراف النزاع هذا الانتهاك بحق خصومها السياسيين أو بحق مدنيين يشتبه في صلتهم أو تعاطفهم بخصومهم.
الإطار القانوني:
نصّ إعلان الأمم المتحدة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، الذي أقرته الجمعية العامة في العام 1992، على أن “الاختفاء القسري يقع حين يقوم مسؤولون أو عملاء حكوميون بالقبض أو الاحتجاز أو الاختطاف لأشخاص ضد إرادتهم, ثم رفض الكشف عن مصائرهم أو أماكنهم أو رفض الإقرار بحرمانهم من حريتهم، مما يجعل هؤلاء الأشخاص خارج مظلة حماية القانون”.
ويعكس الإعلان إجماع المجتمع الدولي على نبذ انتهاكات حقوق الإنسان، ويعد ذا سلطة توجيهية للنظر في الضمانات الكفيلة بمنع وقوع هذه الانتهاكات. ويُشكلُ الاختفاء القسري “انتهاكاً حقوقياً مُضاعفاً”. ويقرّ الإعلان بأن ممارسة “الاختفاء” انتهاك للحق في إجراءات التقاضي السليمة، وفي حرية وأمان الجسد، وعدم التعرض للتعذيب، كما يضم عدداً من الأحكام التي تهدف إلى منع “الاختفاء”، وينص على أنه: “يجب احتجاز المحتجزين في أماكن احتجاز معروفة رسمياً، ويجب أن تُخطر أسرهم بها على الفور، ويجب أن يُسمح لهم بمقابلة المحامين، وأن يضم كل مركز احتجاز سجلاً حديثاً بكل الأشخاص المحرومين من حريتهم فيه”.
ويتبيّن من الإعلان، وبوضوح، أن النزاعات المسلحة، سواء كانت دولية أو غير دولية، لا تبرر أبداً ممارسة الاختفاء القسرية:
“لا يجوز اتخاذ أي ظروف مهما كانت، سواء تعلق الأمر بالتهديد باندلاع حرب أو قيام حالة حرب أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أية حالة استثنائية أخرى، ذريعة لتبرير أعمال الاختفاء القسري”.
وفي العام 2006، تم تعزيز الحظر على الاختفاء القسري عبر تبني الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (اتفاقية الحماية من الاختفاء القسري)، وهذه المعاهدة متعددة الأطراف، أصبحت مُتاحة للتوقيع في فبراير/شباط 2007. ولم توقع اليمن على الاتفاقية إلى وقت كتابة هذا التقرير.
تدعو اتفاقية مناهضة الاختفاء القسري الدول إلى التحقيق في وقائع الاختطاف وغيرها من الأعمال التي تدخل ضمن تعريف “الاختفاء”، والتي يرتكبها فاعلون من غير الدول، من أجل مثول هؤلاء الأشخاص أمام العدالة. ويعتبر القانون الدولي “الاختفاء” جريمة مستمرة طالما استمرت الدولة في إخفاء مصير أو مكان الشخص “المختفي”. وحين يتم ارتكاب أعمال “الاختفاء” كجزء من حملة موسعة أو منهجية على سكان معينين، فهي تُشكل جريمة ضد الإنسانية، وورد ذكرها في اتفاقية مناهضة الاختفاء القسري ونظام روما للمحكمة الجنائية الدولية.
ويحظر الدستور اليمني الاحتجاز “في غير الأماكن الخاضعة لقانون تنظيم السجون”. وفي عام 1998، أصدرت اليمن قانوناً خاصا بقضايا الاختطاف، ووردت فيه عقوبات بالسجن لأكثر من 20 عاماً للمسؤولين الذين يثبت قيامهم بالمشاركة “في أعمال اختطاف أو سرقة”. إلا أنه لا يوجد قانون يمني في الوقت الحالي يُجرّم الاختفاء القسري على وجه الخصوص.
وقائع:
- في منتصف ليل الجمعة 20 يناير/ كانون الثاني 2017، عند حوالي الساعة 12:30، اعتقلت قوات النخبة الحضرمية عادل عبد الحفيظ السقطري (37 سنة) في مديرية الشحر بمحافظة حضرموت.
ابتسام محمد عبدالله باسودان (33 سنة) قالت في شهادتها لـ”مواطنة”: “طرق شخص باب المنزل وطلب من زوجي الخروج. أطل زوجي من نافدة الغرفة وتمكن من التعرف عليهم، وقبل خروجه أخبرني بأن هؤلاء من قوات النخبة الحضرمية. بمجرد أن خرج من المنزل، سألوه ما إذا كان اسمه عادل السقطري، فأجاب بنعم. قاموا بعصب عينيه وربط يديه ودفعوا به على متن سيارة تويوتا موديل هايلوكس، وكان على متنها مجموعة من الأشخاص معصوبي الأعين ومربوطي الأيدي. في صباح اليوم التالي، السبت 21 يناير/ كانون الثاني 2017، ذهب والد عادل إلى معتقل الضبّة للبحث عن ابنه. أخبروه هناك بأن زوجي موجود لديهم، ولكنه ممنوع من الزيارة، وطلبوا من والده عدم التردد على المنطقة لما فيه مصلحة عادل. ومنذُ ذلك الوقت، لم نفعل شيئاً ومنتظرين الفرج من الله”.[1]
وتعتقد ابتسام بأن اعتقال زوجها قد يكون بسبب تردده على مسجد اعتقل فيه أشخاص كثيرون كانوا يرتادونه ويُتهمون بانتمائهم لتنظيم القاعدة.[2]
- وفي مساءالسبت 4 فبراير/ شباط 2017، اعتقلت جماعة أنصار الله (الحوثيون) عبدالرزاق أحمد سالم (40 سنة) من مقر عمله في مؤسسة المياه بمديرية الحوك محافظة الحديدة.
وبحسب مقابلات أجرتها “مواطنة” مع بعض أقاربه، فقد كان عبدالرزاق يعمل إلى وقت متأخر في مكتبه. وفي يوم اعتقاله، جاء طقم عسكري يتبع جماعة أنصار الله (الحوثيين) وأخذوه من المكتب، ولم تعرف الأسرة مكان اعتقاله لمدة ستة أشهر. بعدها اتصل هاتفياً وتحدث مع زوجته وأمه وأخبرهما بأنه بخير. التقت الأسرة بسجين سابق في جهاز الأمن السياسي بصنعاء، وقال بأنه التقى عبدالرزاق أحمد سالم لأسبوع واحد فقط، ثم اختفى. وفي 15 يونيو/ حزيران 2017، نشرت قناة المسيرة التابعة للحوثيين فيديو تضمّن اعترافاً من عبدالرزاق أحمد سالم بأنه يتواصل مع قيادات في مأرب، ويقدم إحداثيات عن مواقع اللجان الشعبية التابعة للحوثيين. [3]
- وفي يوم الخميس 27 أبريل/ نيسان 2017، اعتقلت القوات التابعة لحكومة الرئيس عبدربه منصور هادي الأستاذ في جامعة صنعاء مصطفى حسين محمد المتوكل (61 سنة)، في نقطة تفتيش باب الفلج بمحافظة مأرب. تم اعتقال المتوكل أثناء عودته من المملكة المغربية عبر مطار سيئون متجهاً إلى صنعاء. ومنذ ذلك الحين، لايزال مختفٍ قسرياً.
قالت زوجته إلهام محمد عبدالملك المتوكل (59 سنة)، وهي أستاذة جامعية في كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء: “تلقى زوجي دعوة رسمية من المملكة المغربية لحضور مؤتمر استثماري سنوي لهيئات الاستثمار في الدول العربية، فسافر في 13 أبريل/ نيسان 2017، عبر مطار سيئون مروراً بمأرب. وعندما أنهى عمله في المغرب وعاد إلى اليمن بعد أسبوعين، في 27 أبريل/ نيسان 2017، كان في طريقه إلى صنعاء مستقلاً حافلة نقل. وبحسب ما أبلغنا به مسافرون كانوا على متن الحافلة نفسها، توقفت الحافلة في نقطة تفتيش باب الفلج بمأرب، وصعد ثلاثة جنود وأنزلوه من الحافلة. اتصل بي في ذلك اليوم عند حوالي الساعة 7:00 صباحاً ليخبرني بأنه اعتقل من قبل القوات الموالية للرئيس هادي، وانقطع الاتصال بيني وبينه منذ ذلك الحين”.[4]
وقالت فاطمة مصطفى المتوكل (31 سنة): “قررت أمي زيارة مأرب برفقة محامين وفريق من أساتذة جامعة صنعاء وهم في الحقيقة زملاء أبي، بغرض متابعة المسؤولين هناك. مع ذلك لم تنجح في إقناع السلطات بالإفراج عنه أو حتى زيارته”.[5]
وكان المتوكل عُيّن رئيساً للهيئة العامة للاستثمار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، بقرار من المجلس السياسي الأعلى الذي تشكل بالتوافق بين أنصار الله (الحوثيين) وحليفهم السابق صالح. وتعتقد الأسرة بأن لقبه العائلي كان سبباً لاعتقاله.
- وفي يوم الاثنين 11 ديسمبر/ كانون الأول 2017، حاولت أسرة سالم أحمد العولقي، نائب رئيس دائرة الشباب في حزب المؤتمر الشعبي العام، التواصل معه بينما كان يستقل سيارة للسفر متجهاً إلى عدن. وفي اليوم التالي أبلغ بعض أصدقاء سالم أسرته، بعد أن تواصلوا مع سائق السيارة، بأن جماعة أنصار الله (الحوثيين) اعتقلوه في منطقة حمام جارف جنوب صنعاء.[6]
ظل العولقي رهن الإختفاء القسري حتى أفرج عنه يوم الاثنين 29 يناير/ كانون الثاني 2018.