
خلال العام 2017، وثّقت “مواطنة” ما لا يقل عن 25 واقعة انفجار لألغام أرضية معظمها في تعز. وفي هذه الوقائع، وثّقت المنظمة مقتل ما لا يقل عن 14 مدنياً، بينهم ثلاث نساء وطفلين، وجرح ما لا يقل عن 46 آخرين، بينهم 19 امرأة و14 طفلاً. وترجع مسؤولية زرع هذه الألغام على جماعة أنصار الله (الحوثيين) وقوات حليفهم السابق صالح.
وفي 4 أبريل/ نيسان 2017، أصدرت مواطنة لحقوق الإنسان تقرير “قاتل مستتر”، الذي يوثق 33 واقعة انفجار لألغام زرعتها جماعة أنصار الله (الحوثيون) وقوات صالح. وتحققت المنظمة من هذه الوقائع خلال الفترة من يوليو/ تموز 2015 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2016 في ست محافظات يمنية.[1]
الإطار القانوني:
الإصابات التي تلحقها الألغام فادحة، سواء للجنود في ساحات المعارك أو للضحايا المدنيين. فهي تسبب بطبيعتها، معاناة لا مبرر لها وإصابات بالغة لا داعي لها، كما تسبب إعاقة وعجزاً دائمين لضحاياها. وتخرج الألغام عن الهدف المشروع لاستخدام الأسلحة، والذي ورد بشأنه النص في إعلان سان بطرسبورغ، على أن “الهدف المشروع الوحيد الذي يجب أن تسعى إليه الدول أثناء الحرب هو إضعاف قوات العدو العسكرية”. ويتحقق ذلك بتحييد الجندي ومنعه من إمكانية الاستمرار في المعركة، دون إحداث إصابات جسيمة تتجاوز هذا الهدف. وأي سلاح يزيد على ذلك، يعتبر سلاحاً محرماً، من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني.
إن الألغام المضادة للأفراد هي أكثر الأسلحة اشتمالاً على دواعي الحظر. فبعد انتهاء النزاع المسلح، تكمن الألغام الأرضية مدة طويلة في باطن الأرض، وتتسبب في قتل أو جرح المدنيين، وتصيبهم بإعاقات دائمة. إن اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد (اتفاقية حظر الألغام)، وتسمى رسمياً اتفاقية حظر استخدام وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير هذه الألغام، (اتفاقية أوتاوا). تفرض هذه الاتفاقية حظراً شاملاً على هذه الأسلحة، وذلك عن طريق حظر استخدامها وتخزينها وتطويرها وإنتاجها واقتنائها ونقلها. كما تستوجب تدمير كل الألغام المضادة للأفراد، سواء كانت مخزونة أو مزروعة في الأرض، وذلك خلال فترة زمنية محددة. وباعتماد هذه الاتفاقية، وافقت الدول للمرة الأولى في تاريخ القانون الدولي الإنساني، على حظر سلاح كان مستخدما على نطاق واسع في شتى أرجاء العالم.
وقد صادق اليمن على معاهدة حظر الألغام للعام 1997، في 1 سبتمبر/ أيلول 1998.
وقائع:
- في يوم الاثنين الموافق 3 أبريل/ نيسان 2017، عند حوالي الساعة 11:30 صباحاً، انفجر لغم بينما كان الطفل حسين علي حسين الهزمي (10 سنوات) يحاول إزاحة حجر من أمام شاحنة والده المزارع علي حسين الهزمي (35 سنة)، في منطقة الجفينة بمحافظة مأرب، وأدى الانفجار إلى إصابتهما.
قال الطفل حسين في شهادته لـ”مواطنة”: “لم أذهب إلى المدرسة في ذلك اليوم لكي أذهب مع والدي لجمع الأحجار على شاحنتنا (القلاّب) وبيعها في السوق. دخلنا بالشاحنة إلى منطقة الجفينة وقمنا بجمع الأحجار وتحميلها، وعند انتهائنا تحركنا في طريق العودة من ذات الطريق باتجاه وسط المدينة. بعد خروجنا من المكان توقفنا على جانب الطريق بسبب وجود حجرة كبيرة تعيق طريقنا. توقف والدي بجوارها وطلب مني أن أزيحها من أمام الإطار الأمامي الأيسر. حفرت حول الحجر وحاولت تحريكه، وحينها سمعت انفجاراً كبيراً. تطاير تراب وغبار كثيف وحجارة شعرت بها في وجهي، وقذف بي الانفجار إلى الخلف. كان والدي يصرخ: ‘يا حسين! يا حسين! أنت بخير؟ ’كنت مرمياً على الأرض ولم أرد عليه، وكنت أبكي وأقول: عيوني ووجهي يا أبي!”[2]
وأفاد الطفل بأن والده اتصل بعمه، الذي نقلهما إلى مستشفى مأرب العام بالمدينة. وتابع: “أصبحت لا أرى بعيني، ولا أعلم هل سأستطيع الرؤية مجدداً أم لا؟ وجهي ورقبتي تشوها بالشظايا والأحجار الصغيرة. والدي أصبح معاقاً بسبب بتر ساقه اليسرى، وحالته الصحية والنفسية متعبة. نحن نعتمد على الزراعة وعلى جمع الأحجار، ووالدي هو من يدير هذه الأعمال لتحصيل الرزق، وإعاقته ستؤثر على مصدر دخلنا”. [3]
وقال أمين حسين علي الهزمي (38 سنة)، الذي قام بإسعاف أخيه وولده إلى مستشفى مأرب العام على متن سيارته: “كانت منطقة الجفينة التي ذهب إليها أخي وابنه لجلب الأحجار، من المناطق التي دارت فيها معارك ضارية بين الحوثيين والمقاومة الشعبية. وزرع الحوثيون فيها الألغام قبل انسحابهم منها أواخر 2015”.[4]

صورة لطفل بترت قدمه اليمنى بعد إصابته بلغم زرعته جماعة أنصار الله (الحوثيين) في منطقة الكمب بمدينة تعز. تصوير:حسام القليعة (أكتوبر/تشرين الأول 2017)
- وفي يوم الأحد الموافق 11 يونيو/ حزيران 2017، في الساعة 11:00 صباحاً، انفجر لغم بسيارة من نوع بيك أب تويوتا (شاص)، في طريق رملي يربط بين منطقة البداعة ومنطقة سلم في الشمال الغربي لمديرية الغيل بمحافظة الجوف. كان على متن السيارة عدد من النساء والأطفال في طريقهم إلى سوق الحزم لبيع الأغنام وشراء حاجيات عيد الفطر. كما انفجر لغم آخر بسيارة أحد المسعفين على مسافة تبعد من مكان انفجار اللغم الأول بحوالي 300 متر. أدت الواقعتان إلى مقتل امرأة وإصابة 11 آخرين، بينهم طفلين.
قال عبدالله ناجي جهموس (28 سنة)، أحد الجرحى في انفجار اللغم الثاني، في شهادته لـ”مواطنة”: “أثناء قيامي بنقل المرأة القتيلة فاطمة علي حسين النمس (31 سنة) وبعض قريباتها اللاتي لم يصبن، من مكان الواقعة إلى منطقة سلم، وبعد 300 متر تقريباً من مكان انفجار اللغم الأول، انفجر لغم آخر بالإطار الأمامي الأيسر لسيارتي. أصبت أنا بكسر في قدمي الأيمن، وكذلك أصيبت أختي جانية ناجي جهموس (30 سنة) بكسر في ذراعها الأيسر، وأصيب أخي أمين ناجي جهموس (20 سنة) برضوض في جسمه”.[5]
وأفاد جهموس بأنه تم نقلهم بعد ذلك إلى مستشفى بمديرية الحزم. وعن مكان انفجار اللغم، قال إنه أحد الخطوط الفرعية الترابية التي يستخدمها أهالي منطقتي البداعة وسلم. كما أشار إلى أن عائلات كثيرة من أهالي الغيل تسكن في هاتين المنطقتين، بعد أن تركوا بيوتهم وقراهم بسبب الحرب، وأن أغلب النازحين في تلك المناطق من النساء والأطفال.[6]
واختتم جهموس شهادته: “تأثرنا جداً وأصبحنا نخاف المشي وقيادة السيارات بالطرق التي اعتدنا أن نسلكها. خسرت سيارتي التي هي مصدر دخلي، ولا نزال نعاني من متاعب وأضرار صحية لا ندرى متى نتعافى منها”.[7]
- وفي يوم الجمعة 7 يوليو/ تموز 2017، عند الساعة 9:00 صباحاً، انفجرت سلسلة ألغام في قرية الشقب الصياحي بمديرية صبر الموادم جنوب مدينة تعز. أدت الواقعة إلى إصابة عفاف محمد أحمد مقبل (22 سنة)؛ بترت قدمها الأيسر وثديها الأيسر، إضافة لكسور في ساق القدم اليمنى وشظايا وحروق في أماكن متفرقة من جسمها. كما أصيبت في الواقعة نفسها، دليلة عبده أحمد أحمد مقبل (25 سنة)، وبترت قدمها اليمنى وأصيبت بشظايا وحروق.
في شهادتها لـ”مواطنة” عن الواقعة، قالت عفاف: “كانت دليلة تمشي قبلي وقد حملت على رأسها رزمة من الحطب. أغنامنا كانت تمشي خلف دليلة وأنا أمشي في الأخير. سمعت انفجاراً قوياً، ورأيت دليلة تطير جواَ ثم تسقط على الأرض. رأيت إحدى قدميها طارت حتى وقعت بالقرب مني. فزعت الأغنام من صوت الانفجار الأول وأخذت تجري هنا وهناك، بينما الانفجارات تتوالى وتقذف بالأغنام في الجو لتسقط على الأرض ميتة وممزقة إلى أشلاء. سمعت صرخات دليلة تختلط بأصوات الانفجارات. كانت تستغيث وتزحف، لكن جسدها وقع على لغم آخر. طارت دليلة مرة أخرى وسقطت على الأرض. ارتجفت قدماي وكل جسدي من الخوف، وتسمرت في مكاني وكأنني في حلم. كنت أشعر بأن عقلي تبلد وجسدي تخدر تماماً”.[8]
وأضافت عفاف: “وقعت أرضاً، وما أن وقعت حتى انفجر بي لغم، ثم وقعت على لغم آخر. كنت أشعر ان ناراً قد أضرمت في جسدي، وصرخاتي امتزجت بصرخات دليلة. لم أعرف حينها ما الذي بقي من جسدي. أتى أبي ليسعفني، وكنت أسأله بخوف: ‘هل رجلاي مبتورتان؟’ بينما هو يبكي. وأسأله بخوف: ‘هل يداي مبتورتان؟ ماذا حدث لي؟ أخبروني! هل بترت رجلاي كما حدث لدليلة؟’”.[9]
وبحسب المقابلات التي أجرتها “مواطنة”، فإن جماعة أنصار الله (الحوثيين) قامت بزرع ألغام في الطريق الذي يقع بالقرب من تبة الصالحي الخاضعة لسيطرتهم بمسافة تقدر بحوالي 50 متراً، وذلك لمنع تقدم المقاومة الشعبية والقوات الموالية للرئيس هادي، التي تتمركز في تبة دار مزعل قرب مكان الحادثة بمسافة تقدر بحوالي 100 متر.[10]