صورة لطفل في مخيم الداشن بمنطقة الكدحة في مديرية المعافر شمال غرب مدينة تعز. تصوير: أحمد الباشا (أكتوبر/تشرين الأول 2017)

خلال العام 2017، تشارك طرفا النزاع في اليمن، التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي من جهة؛ و جماعة أنصار الله (الحوثيون) و حليفها السابق الرئيس السابق علي عبدالله صالح من جهة أخرى، مسؤولية استخدام التجويع كسلاح حرب و منع وصول المساعدات الإنسانية.

و وثقت “مواطنة” خلال 2017، ما لا يقل عن 26 واقعة منع وصول مساعدات إنسانية؛ كانت جماعة أنصار الله (الحوثيون) مسؤولة عن معظمها في محافظة صعدة (23 واقعة)، في حين تحملت “المقاومة الشعبية” و القوات الموالية للرئيس هادي مسؤولية ثلاث وقائع في محافظات الضالع، شبوة وتعز.

أدى الحصار وإغلاق مطار صنعاء الدولي أمام الرحلات التجارية من قبل التحالف العربي بقيادة السعودية، إلى تفاقم الوضع الإنساني المتردي أصلاً. كما قامت مجموعات من “المقاومة الشعبية” و مجموعات مسلحة موالية للرئيس هادي، بمنع شاحنات تحمل مواد غذائية من المرور أو فرض إتاوات عليها من أجل السماح بمرورها.

و في المقابل، قامت جماعة أنصار الله (الحوثيون) و قوات موالية لحليفها السابق، الرئيس السابق صالح، بمنع مرور شاحنات تحمل مساعدات إنسانية (غذائية وعينية) و مصادرتها. كما قامت قوات تابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين) و حليفهم السابق صالح، بالتدخل في عملية إيصال هذه المساعدات إلى المستفيدين، و مارست قيوداً معقدة على عمل المنظمات الإنسانية في المناطق التي تسيطر عليها.

قال فان إسفلد، باحث أول في حقوق الطفل بمنظمة هيومن رايتس ووتش: “القيود الصارمة التي فرضها التحالف بقيادة السعودية على دخول الوقود إلى اليمن، و التي أدت إلى انقطاع المياه و إغلاق المستشفيات، حوّلت الوضع في هذا البلد الفقير إلى كارثة إنسانية. في الوقت نفسه، أوقفت قوات الحوثيين-صالح مراراً المنظمات التي تجلب اللقاحات إلى اليمن، و منعت وصول المساعدات إلى الأشخاص الأكثر احتياجاً إليها”.[1]

الإطار القانوني:

يعتبر الحصار الجوي انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني إذا كانت أحد نتائجه الإضرار بمصالح و أرواح المدنيين، و حين تكون المعاناة التي يكابدها المدنيون تفوق المكاسب العسكرية التي يتوقع تحقيقها من وراء هذا الحصار.

و يمثّل تعمّد استهداف المدنيين و حرمانهم من الإمدادات الأساسية للحياة، مثل المياه و الغذاء و الدواء، جريمة حرب وانتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني. و قد صنّف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذىً خطير بالجسم أو بالصحة للمدنيين، من الانتهاكات الجسيمة. و نصّ البند 25 من المادة (8)/ب، على أن تعمّد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمّد عرقلة إمدادات الإغاثة على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف، جريمة حرب.

كما تنص المادة (17) من اتفاقية جنيف الرابعة على ضرورة قيام أطراف النزاع بـ”إقرار ترتيبات محلية لنقل الجرحى و المرضى و العجزة و المسنين و الأطفال و النساء النفاس، من المناطق المحاصرة أو المطوقة، و لمرور رجال جميع الأديان، و أفراد الخدمات الطبية و المهمات الطبية إلى هذه المناطق”.

و في 12 أبريل/ نيسان 2017، ذكر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان و العقوبات الدولية، إدريس الجزائري، أن الحصار العسكري السعودي على اليمن هو “أحد الأسباب الرئيسية للكارثة الإنسانية”، و أنه “ينطوي على انتهاكات جسيمة لأهم معايير قانون حقوق الإنسان، فضلاً عن قانون النزاعات المسلحة”.[2]

وقائع:

  • في يوم الاثنين 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، قرّر التحالف العربي بقيادة السعودية “الإغلاق المؤقت لكافة المنافذ اليمنية الجوية و البحرية و البرية”. و شمل هذا الإجراء مطاري عدن وسيئون، اللذين كانا مفتوحين أمام الرحلات التجارية. وأتى القرار بعد الهجوم الصاروخي الذي أطلقته جماعة أنصار الله (الحوثيون) واعترضته السعودية بالقرب من مطار الملك خالد الدولي في الرياض، مساء السبت 4 نوفمبر/ تشرين الثاني.

و أصدرت مواطنة لحقوق الإنسان بياناً يوم الأحد 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، طالبت فيه التحالف العربي بفتح كافة المنافذ اليمنية، بما فيها مطار صنعاء الدولي، أمام الرحلات التجارية و الإنسانية على الفور.[3]

و في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، قال فيليب لوثر، مدير البحوث وأنشطة كسب التأييد للشرق الأوسط و شمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “لقد أصبحت احتمالات المجاعة التي تلوح في الأفق حقيقة واقعة بسبب القيود الجديدة التي فرضها التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، و الذي يبدو أنه يشكل عقاباً جماعياً على المدنيين اليمنيين”.[4]

و في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، أعلن التحالف العربي عن فتح ميناء الحُديدة لاستقبال المواد الإغاثية و الإنسانية الطارئة، و فتح مطار صنعاء لاستقبال طائرات الأمم المتحدة الخاصة بالأعمال الإغاثية و الإنسانية. [5] و تم فتح مطار عدن الدولي في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني، و مطار سيئون في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017.[6] فيما لا يزال مطار صنعاء الدولي مغلقاً أمام الرحلات التجارية منذ أغسطس/ آب 2016 و حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

و في 2 ديسمبر/ كانون الأول 2017، ذكر بيان صحفي مشترك من قادة الأمم المتحدة حول اليمن، أنه “من دون الاستئناف العاجل لعمليات الاستيراد التجارية، و خصوصاً الطعام و الوقود و الأدوية، فإن ملايين الأطفال والنساء و الرجال سيواجهون خطر المجاعة و المرض و الموت. و أضاف البيان: “أدت القيود المستمرة على الاستيراد التجاري إلى نقص في الوقود و الطعام و المواد الأساسية الأخرى، مما تسبب في رفع الأسعار و تدمير حياة السكان و سبل كسب عيشهم. فقد ارتفعت أسعار دقيق القمح بنسبة 30% بينما تضاعفت أسعار الوقود و ازدادت أسعار المياه المنقولة بالصهاريج بشكل هائل و بلغت الزيادة 600% في بعض المواقع. كما نفد الوقود من شبكات المياه الحضرية في سبع مدن، و هي تعتمد اليوم على المنظمات الإنسانية لسد الفجوة. و ستواجه مدن أخرى قريباً، وضعاً مماثلاً في حال لم يتم رفع الحصار، الأمر الذي سيحرم 11 مليون شخص من المياه الصالحة”.[7]

  • و في يوم الأربعاء 4 يناير/كانون الثاني 2017، أدى تدخل “مُشْرف” جماعة أنصار الله (الحوثيين) في إحدى مديريات محافظة صعدة، إلى حرمان عشرات الأُسَر من المساعدات، بحجة “أنه يريد مراجعة و تعديل أسماء المستفيدين”.[8]
  • و في مساء الاثنين 12 يونيو/ حزيران 2017، احتجزت جماعة أنصار الله (الحوثيون) بمنطقة الهيجة بمديرية المصلوب في محافظة الجوف، ثلاث مركبات تحمل مساعدات إنسانية مخصصة للسكان بقرية ملاحا. و تتكون هذه المساعدات من مواد غذائية لـ 250 أسرة مستفيدة.[9]

و يقول أحد سكان قرية ملاحا، و هو أحد المستفيدين من تلك المساعدات المحتجزة: “نعيش ظروفاً صعبة، وعندما نريد الذهاب الى السوق، فعلينا أن نقطع مسافة 15 كيلومتر من قرية ملاحا لنصل إلى سوق المصلوب. دمرت الحرب قريتنا و سقط فيها ضحايا كثر، و تضررت منازلنا و مزارعنا وتوقفت المدارس. نريد السلم و الأمن و الأمان و يكفي ماقد وصلنا إليه.”[10]

  • و في يوم الأحد 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2017 عند حوالي الساعة 9:40 صباحاً، احتجزت نقاط تفتيش تقع تحت سيطرة “المقاومة الشعبية” و القوات الموالية للرئيس هادي، شاحنات نقل بضائع في مدينة التربة بمحافظة تعز- “الخط العام” الذي يربط بين مدينتي تعز وعدن. و كانت نقاط التفتيش تفرض إتاوات و جبايات مالية على كل شاحنة من أجل السماح لها بالمرور. و دفع ذلك بسائقي الشاحنات إلى الإضراب عن العمل والتوقف عن نقل البضائع لعدة أيام في بداية أكتوبر/ تشرين الأول 2017، ما أدى إلى شحة في المواد الغذائية داخل مدينة تعز و ارتفاع أسعارها.

و قال لـ”مواطنة” وسيم عبده (32 سنة)، و هو سائق شاحنة نقل بضائع: “عند وصولي الى مدينة التربة، طلبت مني نقطة تفتيش رسوم مالية تصل إلى 30000 ريال (حوالي  60دولاراً أمريكياً). كان في نقطة التفتيش عدد من الشاحنات المتوقفة بسبب رفض سائقيها دفع هذا المبلغ غير القانوني، و قام أفراد في نقطة التفتيش بالاعتداء على أحد السائقين وتهديده. دفعني هذا مع عدد من السائقين إلى التوقف عن العمل كوننا نتعرض للابتزاز المادي من قبل نقاط التفتيش.”[11]

و بعد إحكام سيطرة “المقاومة الشعبية” و القوات الموالية للرئيس هادي في منتصف مارس/ أذار 2016، على هذه المنطقة الواصلة بين عدن و تعز، قامت نقاط التفتيش التابعة لفصائل المقاومة بتحصيل إتاوات من المارين في هذه النقاط تحت مسمى دعم الجبهات، و كل فصيل على حدة.

 


[1]هيومن رايتس ووتش، منع التحالف للمساعدات و الوقود يهدد المدنيين في اليمن: عرقلة قوات الحوثيين-صالح للإغاثة تفاقم الأزمة، https://www.hrw.org/ar/news/2017/09/27/309545.
[2]OHCHR, Lift blockade of Yemen to stop “catastrophe” of millions facing starvation, says UN expert, http://www.ohchr.org/en/NewsEvents/Pages/DisplayNews.aspx?NewsID=21496&LangID=E.
[3]مواطنة لحقوق الإنسان، اليمن: إغلاق التحالف بقيادة السعودية للمنافذ يقطع ما تبقى من شريان للحياة، 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017.
[4]منظمة العفو الدولية، اليمن: الولايات المتحدة و المملكة المتحدة و فرنسا يجازفون بتواطؤهم في العقاب الجماعي للمدنيين، https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2017/11/yemen-usa-uk-and-france-risk-complicity-in-collective-punishment-of-civilians./
[5]وكالة الأنباء السعودية، قيادة قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن تقرر إعادة فتح ميناء الحديدة و فتح مطار صنعاء اعتباراً من يوم غدٍ الخميس، http://www.spa.gov.sa/1690597.
[6]إعلان الخطوط الجوية اليمنية على صفحتها في موقع فيس بوك https://www.facebook.com/YemenAirways/.
[7]المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، قادة الأمم المتحدة يدعون التحالف لرفع الحصار عن الموانئ اليمنية على البحر الأحمر، http://www.unhcr.org/ar/news/press/2017/12/5a244d764.html.
[8]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع سكان محليين، تاريخ 15، 16، 17 يناير/كانون الثاني 2017.
[9]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع سكان محليين، تاريخ 15 و16 يونيو/حزيران 2017.
[10]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع أحد سكان قرية ملاحا بالجوف، تاريخ 16 يونيو/حزيران 2017.
[11]مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع وسيم عبده، تاريخ 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2017.

مشاركة