الفصل الثالث: الأقليات الدينية
لطالما ظلت حقوق الأقليات الدينية مُقيدة في اليمن وعرضة للانتقاص والازدراء الاجتماعي، لا سيما مع تصاعد نشاط الحركات الأصولية الإسلامية بخطابها المتشدد خاصة إزاء قيم التنوع والاختلاف والتعايش. فضلاً عن أن حقوق تلك الأقليات ظلت خاضعة لقيود قانونية وإجرائية مشددة، ذات مضمون تمييزي تفرضها الدولة على أفراد هذه الأقليات.
ويعود اضطهاد الأقليات الدينية في اليمن إلى تاريخ سابق لاندلاع الحرب الأخيرة، فقد تعرضت الطائفة اليهودية[1] والطائفة البهائية[2] لكثير من الانتهاكات التي طالت حقوق المنتمين إليهما وحرياتهم الأساسية، غير أن الحرب وانهيار مؤسسات الدولة ضاعف من مأساة هاتين الأقليتين.
وثقت “مواطنة” خلال عام 2018، واقعتي احتجاز تعسفي ارتكبتهما جماعة أنصار الله المسلحة (الحوثيون)، مرتبطة على ما يبدو بالمعتقدات الدينية للأفراد: إحداها بحق عبدالله العلفي، أحد أعضاء الطائفة البهائية. والأخرى بحق يوسف سعيد الناعظي من الطائفة اليهودية في اليمن.
وفي تطور حقوقي خطير بحق حامد كمال حيدرة، أصدرت عليه المحكمة الجزائية المتخصصة في العاصمة صنعاء حكماً بالإعدام، على خلفية تُهم غير مثبتة بعد محاكمة غير عادلة. فيما لا يزال أربعة بهائيين قيد الاحتجاز التعسفي في سجن يشرف عليه جهاز الأمن القومي، وآخر لا يزال رهن الاختفاء القسري منذ أبريل/ نيسان 2017.
وفي يوم 15 سبتمبر/ أيلول 2018، عقدت المحكمة الجزائية المتخصصة أولى جلسات المحاكمة بحق قائمة مكونة من 23 شخصاً من الأقلية البهائية، بينهم طفلة وثمان نساء، بشكل سري دون إعلام محاميهم أو أهاليهم، أو حتى بعض من شملتهم القائمة. ووُجهت لهم نفس التهم التي وُجّهت لحامد حيدرة، مع إضافة تهمة الردة لليمنيين منهم.
الإطار القانوني
الجهات الفاعلة غير التابعة للدول، بما في ذلك الجماعات المسلحة، التي تمارس مهام مناظِرة لمهام الحكومة وتسيطر على منطقة ما، كما هو الحال مع أنصار الله في أجزاء من اليمن، ملزمة باحترام مبادئ حقوق الإنسان في الأحوال التي يؤثر سلوكها فيها على حقوق الإنسان للأفراد الخاضعين لسيطرتها[3].
يوفر القانون الدولي لحقوق الإنسان الحماية لحرية الدين. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على سبيل المثال، ينص صراحة عل حرية “الفرد في إظهار دينه أو معتقداته”[4]. على الرغم من أن العهد يجيز فرض بعض القيود على بعض الحقوق أثناء النزاع أو أثناء حالات الطوارئ العامة المعلن عنها رسمياً، فإنه يجب أن تكون أي قيود ذات طبيعة استثنائية ومؤقتة ومحدودة “في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع”.
يجب احترام بعض الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في عدم التعرض للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان التعسفي من الحرية، في جميع الأوقات، بما في ذلك فترات النزاع. تعارض “مواطنة” عقوبة الإعدام في جميع الظروف وفي جميع الأوقات.
بعض الأمثلة على الوقائع
- في صباح يوم الثلاثاء 2 يناير/ كانون الثاني 2018، أصدرت المحكمة الجنائية المتخصصة حكم الإعدام بحق حامد كامل حيدرة (53 سنة) تعزيراً، ومصادرة أمواله وممتلكاته وإغلاق المحافل البهائية في اليمن.
وكان ضباط من جهاز الأمن القومي قد اعتقلوه من مكان عمله في بلحاف محافظة شبوة جنوبي اليمن بتاريخ 3 ديسمبر / كانون الأول 2013، ونُقل إلى أحد مراكز الاحتجاز في صنعاء، حيث ظل قيد الاختفاء القسري لتسعة أشهر.
وخلال الأشهر التسعة الأولى من احتجازه لدى جهاز الأمن القومي، عذب المحققون حامد جسدياً ونفسياً خلال التحقيقات كما قال لعائلته، ووجهوا الإساءة إلى ديانته البهائية؛ إذ تم صعقه بالكهرباء، وضربه بقضيب معدني على أصابعه وأعضائه التناسلية، وتعليقه في السقف لفترات طويلة. وطبقاً لسجل الادعاء العام حول تحقيق أجري معه في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 في فترة احتجازه لدى جهاز الأمن القومي، أبلغ حامد حيدرة المحقق أنه تعرض للضرب الشديد والتهديد في أثناء احتجازه كي يعترف ويبصم “على بياض” على وثائق قدمت له. ثم زعم أن المحقق عرض عليه “اعترافاته” المؤرخة في 20 يناير/ كانون الثاني 2014، وسأله إن كانت تلك أقواله وبصمته. وأجاب حامد إنه لا يعرف.
وفي 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2014، نُقل حامد حيدرة، قبل أن تبدأ محاكمته، إلى السجن المركزي بصنعاء، حيث أودع زنزانة مع سجناء مدانين بأحكام إعدام، الأمر الذي يعد خرقاً لمبدأ حبس السجناء الذين لم تنتهِ محاكمتهم، على نحو منفصل عن أولئك الذين صدرت بحقهم أحكام إدانة، وفي 8 يناير/ كانون الثاني2015 أصدر مدعي المحكمة الجنائية المتخصصة لائحة اتهامات شملت العمل لدى دولة أجنبية لنشر الديانة البهائية في الأراضي اليمنية، والتحريض على اعتناق تلك الديانة، وإخراج اليمنيين من الدين الإسلامي بغرض المساس باستقلال اليمن وسلامة أراضيه، وتزوير وثائق شملت جوازات سفر وبطاقات هوية شخصية لنفسه ولعائلته، إضافة إلى تهم أخرى.[5]
وفي الأول من يناير/ كانون الثاني 2019، عقدت أولى جلسات الاستئناف في قضية حامد كمال حيدرة بحضوره شخصياً، وتضمنت هذه الجلسة عرض حيثيات القضية، وقراءة الحكم الصادر ابتدائياً من المحكمة الجنائية المتخصصة. وتم تحديد موعد الجلسة القادمة في تاريخ 29 يناير/ كانون الثاني 2019.
- في يوم الأربعاء 16 مايو/ أيار 2018، اعتقل أنصار الله (الحوثيون) الحاخام يوسف سعيد سعيد الناعظي (30 سنة) من أفراد الطائفة اليهودية، الذي يعمل مدرساً للغة العبرية في المدينة السياحية بالعاصمة صنعاء، حيث استقر ما تبقى من أفراد الطائفة اليهودية.
فبينما كان على متن سيارته قريباً من المدينة السياحية، اعترضته سيارتان نوع هايلوكس(تويوتا) على متنهما قرابة 10 مسلحين بملابس مدنية، أجبروه على الخروج من سيارته وحشروه في إحدى السيارتين.
وبعد أن استعانت أسرته بنافذين قبليين كُشف عن مصير يوسف الذي كان محتجزاً في سجن جهاز الأمن السياسي. وقد تمكن أهله من زيارته يوم السبت 27 مايو/ أيار 2018، ولا يزال الحاخام يوسف الناعظي قيد الاحتجاز في سجن جهاز الأمن السياسي حتى وقت كتابة هذا التقرير.
- في يوم الخميس 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، اعتقل أنصار الله (الحوثيون) عبدالله العلفي (43 سنة) من أفراد الطائفة البهائية، بينما كان يمشي برفقة أحد أصدقائه في خط المطار بالعاصمة صنعاء.
إذ اعترضت طريقه سيارتان نوع هايلوكس (تويوتا) على متنها مسلحون أجبروه على صعود إحداهما، واقتادوه إلى مبنى جهاز الأمن السياسي. وتم التحقيق معه بتهمة البهائية والتواصل مع السفارة الأمريكية. وتم الإفراج عنه بعد ثلاثة أيام بتاريخ 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2018.
[1] المرصد اليمني لحقوق الإنسان ،”التقرير السنوي لحقوق الإنسان والديمقراطية في اليمن، 2009″ ص:95-97، 2010.
[2] الأمم المتحدة ، تقرير لجنة القضاء على التمييز العنصري (الدورة الثامنة والسبعون – الدورة التاسعة والسبعون، 2011) ص:170-171.
[3] تقرير منظمة العفو الدولية، “اليمن: أين أبي؟: الاحتجاز والاختفاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن” ص 17، الطبعة الأولى، 2016.
[4] المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
[5] التهم الكاملة الموجهة لحيدرة مدرجة في بيان مواطنة الصادر في 11 يناير/ كانون الثاني (حميد كمال حيدرة، رجل بهائي، يواجه عقوبة الإعدام).