الفصل الثاني: الهجمات البرية

خلال عام 2018 وثقت “مواطنة”  87 واقعة هجوم بري عشوائي راح ضحيته 124 قتيلاً، بينهم 6 نساء، و52 طفلاً، وجُرح ما لا يقل عن 284 مدنياً بينهم 35 امرأة و120طفلاً. حدثت هذه الوقائع في ثمان محافظات يمنية: الحديدة، تعز، صعدة، لحج، حجة، الجوف، عدن، مأرب. تتحمل جماعة أنصار الله المسلحة (الحوثيون) المسؤولية عما لا يقل عن 49 واقعة، وتتحمل القوات الموالية للتحالف والرئيس هادي المسؤولية عما لا يقل عن 26  واقعة أخرى. كما تقع المسؤولية المشتركة عن خمس وقائع على أنصار الله (الحوثيين) والقوات الموالية للرئيس هادي، فيما لم تتمكن “مواطنة” من تحديد الطرف المنتهك في 7 وقائع أخرى.

لم تتورع أطراف النزاع في اليمن عن شن هجمات برية وعشوائية على المدنيين والأحياء المدنية المكتظة بالسكان، واستخدمت أسلحةً غير  معلومة التوجيه يصعب إطلاقها نحو أهداف محددة بدقّة. إذ تعدّ هذه الأسلحة محرّمة الاستخدام في المناطق الآهلة بالسكان.

ومع احتدام العمليات العسكرية في بعض الأحيان يتمركز مقاتلو طرفي النزاع في الأحياء السكنية للاحتماء، وقد يشنون هجمات من داخلها، ما يجعل المدنيين في تلك المناطق عرضة للتهديد المباشر. وقد أدى ذلك إلى مقتل وجرح عدد كبير من المدنيين نتيجة لتلك الهجمات العشوائية. وتتسبب هذه الممارسة في إلحاق أضرار جسيمة بسُبل العيش والبنية التحتية المدنية الحيوية، كالنقل وإمدادات المياه والكهرباء التي دُمّرت، ليصبح البقاء محفوفاً بالمخاطر، حتى لو لم يكن هناك هجوم قادم يُخشى منه.

الإطار القانوني

يحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات العشوائية. ويجب على الأطراف المتحاربة التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين أو الأعيان المدنية، بما في ذلك عدم استخدام أسلحة غير موجهة لا يمكن توجيهها نحو هدف عسكري محدد. الهجمات التي لا تستهدف على وجه التحديد هدفاً عسكرياً تعتبر هجمات عشوائية. يلزم القانون الدولي الإنساني القادة باختيار أي وسيلة للهجوم يمكن توجيهها إلى أهداف عسكرية وستقلل إلى أدنى حد من الضرر الذي يلحق بالمدنيين.

تُحظر أيضاً الهجمات التي تلحق الضرر بالمدنيين بشكل غير متناسب. ويجب على أطراف النزاع أن تقوم بكل ما هو “ممكن” لضمان أن تكون أهدافها عسكرية، وأن تتخذ جميع الاحتياطات الممكنة في اختيارها وسائل للتقليل إلى أدنى حد من الخسائر العرضية في أرواح المدنيين، وأن تمتنع عن شنّ الهجمات التي يُتوقع أن تتسبب في حدوث خسائر غير متناسبة في أرواح المدنيين أو أضرار في الأعيان المدنية. وتُعدّ الهجمات العشوائية غير المتناسبة التي تنفذ بدافع إجرامي، جرائم حرب.

يجب على كافة القوات تجنب وضع الأهداف العسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بجوارها، وأن تسعى لنقل المدنيين من المناطق القريبة من الأهداف العسكرية، وأن تحمي السكان المدنيين الخاضعين لسيطرتها من مخاطر العمليات العسكرية. وتقاعس أحد الأطراف عن اتخاذ الاحتياطات الممكنة لا يلغي التزامات الطرف الآخر بموجب قوانين الحرب.

بعض الأمثلة على الوقائع:

  • في يوم السبت 10 فبراير/ شباط 2018، قرابة الساعة 10:00 صباحاً، سقط مقذوف على منطقة المجلية، مديرية صالة، محافظة تعز، بجوار سيارة تقل نازحين من قرية الشقب[1] في طريقهم إلى محافظة عدن.

أودى المقذوف بحياة رجل وطفلة، وجرح 11 آخرين بينهم أربعة أطفال وامرأة. ولم تجد “مواطنة” أي هدف عسكري في المنطقة، وقال شهود عيان إن المنطقة التي سقط فيها المقذوف خاضعة لسيطرة المقاومة الشعبية، وأن المقذوف قادم من “تلة السلال” التي يسيطر عليها أنصار الله (الحوثيون)، والتي تقع على بعد كيلو مترين من موقع الواقعة شرق مدينة تعز.

قال يحيى عبدالسلام (21 سنة)، وهو أحد الضحايا الناجين: “خرجنا من قريتنا بسبب اشتداد الحصار وسوء الأوضاع الأمنية، وبينما كانت السيارة التي تقلنا تعبر منطقة المجلية، سمعت صوت انفجار مدوٍّ، تبعه صراخ من كان معي على متن السيارة. كنت أبكي وأنا أشم رائحة الموت تنتشر من حولي[2]“.

وصف يحيى عبدالله (18 سنة) ما رآه في هذه الواقعة: “كنت ما أزال بداخل السيارة، وكان الدخان يملأ المكان. أصيبت قدمي اليسرى، وكنت أصرخ طالباً النجدة، انقشع الدخان قليلاً لأتفاجأ بجسد بلا رأس ملقىً خلفي[3]“.

وعن إسعاف الضحايا للعلاج، قال أحد الناجين، ذي يزن عبدالجبار (22 سنة): “فاضت ممرات مستشفى  الثورة في مدينة تعز بدماء عزّل لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً[4]“.

  • في يوم السبت 16 مايو/ أيار 2018، قرابة الساعة 11:00 صباحاً، قصفت منطقة الفيض- مديرية المتون- محافظة الجوف، مجموعات مسلحة تابعة للمقاومة الشعبية، متمركزة في مناطق متاخمة لمحافظة البيضاء،

و ضربت إحدى القذائف منزل صالح العبسي الواقع جنوب منطقة الفيض، ما أسفر عن إصابة فتاتين؛ هما مانعة صالح مفلح العبسي (9 سنوات) التي تعرضت لجروح متوسطة بشظايا استقرت في الكتف الأيمن والصدر، ودولة صالح مفلح العبسي (سنتان)، أصيبت باختناق بسبب الأدخنة والغازات الناجمة عن سقوط القذيفة، ما أصابها بحالات تشنج تحدث لها بين الحين والآخر.[5]

  • في يوم الأحد 15 يوليو/ تموز 2018، قرابة الساعة 5:30 مساءً، شن أنصار الله هجوما برياً بمقذوف على المجمع الحكومي شمال مدينة الحزم، مركز محافظة الجوف.

ضرب المقذوف مزرعةً يقطن فيها نازحون من محافظة عمران بجوار مبنى محافظ المحافظة، وأدّى إلى مقتل خمسة أطفال، وجرح ستة آخرين بينهم أربع نساء وطفلان. ولم تحدد “مواطنة” أي هدف عسكري على مقربة من موقع القصف.

قال شاهد عيان من سكان المنطقة (25 سنة): “كنت في مجلس مقيل بالقرب من المزرعة، هرعت برفقة من كانوا معي لنجدة الضحايا. ما شاهدته لا يمكن وصفه، كان مشهداً مفزعاً، حاولت أن أصمد ولكنني لم أستطع فغادرت على الفور[6]“.

وقال والد أحد الضحايا (46 سنة): “تركنا ديارنا خوفاً من بطش هذه الجماعة، فأرسلت  حصتنا من الموت إلى مكان نزوحنا[7]“.

[1] انظر موقع مواطنة لحقوق الإنسان، مدونة بعنوان “الشقب: قرى منسية لا يتذكرها سوى الموت”، 16 ديسمبر/ كانون الأول 2018، لمزيد من وقائع القصف البري العشوائي على الرابط التالي : http://mwatana.org/a-forgotten-village/

[2] مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع يحيى عبدالسلام، تاريخ 22 فبراير/ شباط 2018.

[3] مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع يحيى عبدالله، تاريخ 22 فبراير/ شباط 2018.

[4] مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع ذي يزن عبدالجبار، تاريخ 23 فبراير/ شباط 2018.

[5] مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع أقارب الضحايا، تاريخ 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

[6] مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع شهود عيان، تاريخ 19 يوليو/ تموز 2018.

[7] مقابلة مواطنة لحقوق الإنسان مع أقارب الضحايا، تاريخ 24 يوليو/ تموز 2018.